أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٩٣ - الباب الثامنعشر في التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب و الفرق بين خدعهم و الحيل الطبية
يستخرج به النواصير، (وكرد ارول) الذي يظهر من حيلته استخراج مدة من اجفان العين من الجرب العارض لها و غيره و قد يستعين هؤلاء في حيلهم باعطاء ادوية قد اتخذوها معهم مخدرة و منومة ليظهر لأهل المريض و من حضره الراحة للمريض و سكونه من مرضه، و برؤه بعلاجهم فيستريحون للفائدة بذلك، و كذلك قد يفعلون في اعطائهم ادوية مسهلة حارة كالشبرم[١] و لبنه و المازريون[٢] و اشباه هذه بغير علم منهم باصلاحها، فيقتلون بذلك عاجلا و آجلا. و لست اقول ان جميع الدستكارية يستعملون ما ذكرته بغير علم و بطريق المحال لكني أشرت الى المموهين منهم. فاما حذاقهم الفره اصحاب البطش بالاعمال الصحيحة فانهم و ان استعملوا حينا شيئا مما ذكرته لم يستعملوه على طريق المحرفة لكن بحيلة طبية نافعة يكون بها برؤ المريض من طريق الوهم كالذي فعله جالينوس من هذه الاعمال بعينها، فكان بها برؤ المريض. و ذلك ان جالينوس حكى ان انسانا توهم انه (بلع) حيّة (فعولج) بكل دواء فلم ينجح فيه فلما وقف جالينوس على خبره سأله هل تعرف لون تلك الحية فقال هو اللون الفلاني، و مقدارها المقدار الفلاني، فأمر سرا من العليل بمن صاد له حيّة بتلك الصورة و اخفاها بلطف الحيلة مسقى المريض دواءا قذفه و شدّ عينيه حين أخذ يقذف و سرّح الحية المذكورة مع القذف و امر من حضر ان تعلو اصواتهم بالتباشير بخروج الحية، فحين فضّ عن عيني المريض قال هذه الحية التي ابتلعتها و قد وجدت الراحة، فبرأ برأ تاما من توهمه. و قد جرى له و لغيره امثال ذلك كثير من اصحاب المالنخوليا و غيرهم ممن تداخلهم الرعب و الفزع من اشياء فذابت ابذانهم و اصفرت الوانهم فلم يقدر فيهم على علاقة تدل على مرض، فلما علم من أمرهم ان ذلك لفزع عملت الحيلة لادخال السرور على قلوبهم فبرأوا. و ذلك لا يكون بصنف واحد في التدبير و الحيلة لانه منه ما يكون من جهة الاخبار المسموعة و الكتب التي ترد منه، و من جهة المنظورات و كذلك من باقي الحواس فيحتاج ان يكون الطبيب لذلك ذكيا لاستخراج السبب و لمقابلته بالحيلة كالذي استخرجه جالينوس سبب ذلك المملوك
[١] الشبرم- قصب دقيق، ثقيل على المعدة و يضر بالكبد. يستعمل في حالات الاستسقاء و لدره مع البول( ابن سينا ١/ ٣٦٢).
[٢] المازريون- نبت، خلاصته مسهل قوي و يستعمل في حالة السوداء و الكثير منه قاتل. و طلاؤه نافع من النمش و البرص و الكلف( ابن سينا ١/ ٣٦٢).