أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦٠ - الباب الرابععشر في نوادر جرت لبعض الأطباء بعضها من جنس تقدمة المعرفة و هي تحث الطبيب على تعرف طرق الانذار و بعضها مستظرفة تحث الطبيب على اختبار تحصيل مستطبه لئلا ينسب الفساد الى الطبيب
ينبغي لك الّا تقصر على توخي فعل ما ينبغي دون ان يكون المريض و من يحضره كذلك، و الاشياء التي من خارج. يشك من يفهم ان قوله المريض و من يحضره انه الى ما قلناه (أشار) و لما كانت هذه المشورة التي أشار بها بقراط قد أهملها كثير من المتوسمين بصناعة الطب اما لجهل بها او لتغافل عنها بقصد لتسوغ لهم الحيلة على التكسب و الانتفاع بالعامة و ساعدهم على ذلك تركهم و ما يعملونه من انواع الخطأ المفسد لمحاسنها الملوك و من اليه النظر في مصالح الناس فانهم لما أهملوا النظر في هذه الصناعة الجليلة المصلحة لنفوس الناس و أجسامهم، اتسعت الحيلة لأهل الشر بها و قلت المبالاة بالفساد الداخل من جهة إفساد الداخلين فيها، من ذلك ما يشاهد من مشورة الاطباء بغير توقف و لا بحث و لا قانون صناعي على كل من جاءهم من اي اصناف الناس كان قد جرت عادات كثير من الناس ان يوجهوا بقارورة الماء الى الطبيب مع أدون خدم المنزل اما صبي او عجوز او مملوك اعجمي و قصدهم بذلك ان يفهم عن الطبيب كلما يحتاج اليه المريض بغير شك ان الطبيب لا يمكنه ان يشير بشيء او يفهم جميع حالات المريض، افترى ليت شعري من يفهم ذلك؟ الصبي ام العجوز ام الاعجمي؟ فما يتمالك الطبيب ان ينظر في القارورة حتى قد بادر بالصفة و أمر ايضا غلامه بدفعها الى الرسول ان كان ممن يرجي اخذ فضته فأقسم باللّه ان كثيرا من هؤلاء الأطباء لو ساءله سائل ما الذي علمته من العلامات من هذا الماء الذي رأيته و لم وصفت ما وصفته؟ لما وجد عنده جوابا يقنع به السائل له. و لا فيهم من يتوقف الى ان يجد من فيه تحصيل لئلا تفوته الفضة و لا من يخشى من عتب عاتب و لا من يخاف لوم لائم، و لذلك قد فشا فيهم الكسل و سهل عليهم التواني فلا ناظر في علم و لا قارئ لكتاب و لا يجد منهم من يسأل عن تعلم شيء من الصناعة و لا من يذاكر صاحبه في مسألة او في أمر دواء أو غيره، لكنه من يفرغ من كسب الدراهم تشاغل لشرب الاقداح الكبار و اللعب بالشطرنج و أشباه ذلك. و اذا كان الأمر على ما حكيناه، فلذلك يكون الاطباء مسرورين[١] بقلة فهم من يشاورهم فرحون بسوء تحصيلهم، فأما ان جاءهم[٢] احد يستفهمهم أمر مرض من الأمراض او امر سبب علامة او يناظرهم في دواء من الادوية او بعض اجزاء الطب هربوا من كلامه و اجتهدوا في ان لا يجمعوا[٣] معه في موضع من المواضع لئلا يتكشف بذلك جهلهم عند
[١] وردت في الاصل( مسرورون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( جائهم) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( يجتمعون) و الصحيح ما اثبتناه.