أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦٢ - الباب الرابععشر في نوادر جرت لبعض الأطباء بعضها من جنس تقدمة المعرفة و هي تحث الطبيب على تعرف طرق الانذار و بعضها مستظرفة تحث الطبيب على اختبار تحصيل مستطبه لئلا ينسب الفساد الى الطبيب
فقلت: صف لي كيف عملتها؟ فقال أتراني لا أحسن اصلح مزورة؟ فقلت و ما يضرك ان تعرض عليّ ما عملته، قال: دققت الزبيب و الحب رمان و عزلتهما ثم وضعت الماء على النار و ثردت الخبز و قطعت البصلة و طرحتها مع قليل ملح و ذلك الزبيب و الحب رمان على الخبز المثرود، و صببت عليه الماء الحار و غطيته قليلا و أكلته[١]، فما كان طيّب أحب الا تصف لي شيئا آخر مزورة فاني ما أصبر على عملها. و لقد حكى الثقات من افاضل من بالرقة عن طبيب كان يقال له موسى انه أمر يوما لعليل شكا اليه مرضا وجده فأمره ان يحبس ماءه و يجيء به باكرا، فلما كان في السحر و اذا بصائح من باب داره يصيح يا ابا عمرو ان الحقني اللّه اللّه في اغثني. فقال لغلامه: بادر فان بعض الاهل استقضى و خرج و تبع هو غلامه فاذا بذلك الانسان أحليله في يديه و هو يصيح و يضج، فقال له موسى الطبيب: يا هذا الرجل ما شأنك؟ قال: قلت لي إحبس الماء ولي من الثلث الأخير حابسه و هو ذا أموت، فقال له:
بادر يا هذا بل، فلما بال و فرج عنه و استراح قال يا هذا انما قلت تبول في اناء و تحبس ماءك ليس هكذا. فقال: ما علمت، أجيك غدا به، فلما كان من الغد جاء بالماء في كوز من خزف. فمن هذه مقادير (افهامهم) هل يجوز للطبيب ان يعوّل على تحصيلهم في أمور أدوية المرضى و تدابيرهم. و اعجب ما ذكرته ما جرى ليهودا بن ابي البقاء[٢] الطبيب مع امرأة جاءته بماء في قدح فنظر اليه فأشار بما رأى في الوقت فانحرفت المرأة الى ورائه قليلا ثم اخرجت القدح ثانية فانكر أمرها، ثم قال أليس قد رأيت هذا و اشرت؟ فقالت ليس هذا ذاك، فأشار بما رأى ايضا. ثم انتظرت قليلا و عاودته بالقدح فزاد انكاره في الأمور و أخذ في تقضي أمرها، فقالت: يا سيدي لا تنكر امري فان لي جماعة من جيراني أعلام فلما علموا أني اريد ان ابكر الى الطبيب حمّلوني قواريرهم فلم أطق حملها فجعلتها كلها في هذه القنينة و منها هوذا أصب من القدح و أريك اياه، فلما سمع ذلك قال لمن حضر عنده يلومني اذا امتنعت من الوصف لكل من جاءني و لعله ان ينسب ذلك مني الى بخل او اسف، ايجوز للطبيب مع ما هو ذا يرون ان يصف لكل واحد؟ و حكى في الوقت انه امتحن فهم انسان جاءه يتشكى في الوقت وجعا[٣] به فأشار عليه بقرص يأخذ منه يومه ذلك نصفه، و لغده
[١] وردت في الاصل( قليل) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] يهودا بن ابي البقاء.
[٣] وردت في الاصل( وجع) و الصحيح ما اثبتناه.