أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٥٢ - الباب الثالثعشر في ان الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته من صناعة الطب من الناس كافة و لكن تشريفه من الملوك و افاضل الناس ينبغي ان يكون اكثر
بذلك فأحضره الملك و سأله عن تأخره و قال له أنت تعلم شغل قلبي بابني و هو وارث الملك بعدي و محله من نفسي، قال له الطبيب تأخرت حتى وقفت على دائه، قال و ما هو؟ قال عاشق لامرأتي، فأطرق الملك ثم قال للطبيب فماذا ترى؟ قال الرأي للملك لالي، قال أرى لك ان تؤثرني بها، قال له ايها الملك و يستحسن هذا؟ فقال نعم ان الملك يعوضك مكانها و يخلفها عليك و يعطيك أملك، فقال ان كان الملك يرى هذا و يستحسنه فان الفتى انما هو عاشق جارية الملك. فأورد على الملك من ذلك أمرا عظيما، فاطرق الملك مفكرا طويلا، قال له الطبيب أيد اللّه الملك ان من النساء عوض وهن موجودات في كل وقت و وارث الملك ولده المجيب العاقل اللبيب ليس في كل دهر يتهيأ و يوجد و ليس فيه عوض، فركن الملك الى قوله و زوج الفتى جاريته فبرئ، فأمر الملك بحمل الطبيب على مركوب من مراكبة و ساق اليه عدة من دوابه و وصله بعشرة أرطال من الذهب و خلع سنية. و حكى عيسى بن ماسه[١] الطبيب انه اخبره يوحنا ابن ماسويه[٢] ان الرشيد رحمه اللّه قال لجبرئيل[٣] و هو حاج بمكة يا جبرئيل علمت مرتبتك عندي؟ قال يا سيدي و كيف لا اعلم، قال له دعوت لك و اللّه في الموقف دعاء كثيرا ثم التفت الى بني هاشم فقال عسى انكرتم قولي له فقالوا له يا سيدنا ذمّي، فقال نعم و لكن صلاح بدني و قوامه به و صلاح المسلمين بي فصلاح المسلمين بصلاحه و بقائه، فقالوا صدقت يا أمير المؤمنين[٤]. قال و اخبرني يوحنا بن ماسويه انه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم[٥] و عاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر و كان الواثق مشغوفا ظنينا به فشرب يوما عنده فسقاه الساقي شرابا غير صاف و لا لذيذ على ما جرت به العادة، و هذا من عادة السقاة اذا قصّر في برهم، فلما شرب القدح الأول قال يا أمير المؤمنين اما المذاقات فقد عرفتها وعدتها و مذاقة هذا الشراب خارجة عن
[١] عيسى بن ماسة- من اطباء بغداد في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، و له اكثر من ثمانية مؤلفات جميعها في الطب سوى واحدا في الفلك و النجامة( ابن النديم ص ٢٩٦، ابن ابي اصيبعة ص ٢٥٧، القفطي ص ٢٤٦).
[٢] يوحنا بن ماسويه- اشهر اطباء جنديسابور، و دخل بغداد بخدمة المامون و المعتصم و المتوكل بالتعاقب و توفي سنة ٢٤٣ للهجرة، و له زهاء خمسة و خمسين كتابا( الفهرست لابن للنديم ص ٢٩٥- ٢٩٦، ابن جلجؤ ص ٦٥- ٦٦، و ابن ابي اصيبعة ص ٢٤٦- ٢٥٤).
[٣] جبرائيل- سبقت ترجمته في الباب المتقدم.
[٤] ابن ابي اصيبعة ص ١٩٢.
[٥] المصدر المتقدم ص ١٩٤- ١٩٥.