أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٥٤ - القول في الأستدلال على وقتالرياضة من النوم
أوجب ضرورة ليمكنه حفظها فاقصد[١] إذا ايها الطبيب في تعديل حركات الدماغ الى أوسطها ليعدل بذلك مزاجه و تجود به أفعاله فان لتقدير الحركات و الرياضيات المختلفة في إصلاح أمزجة الأعضاء حظا وافرا في تدبير الأصحاء، و في معالجة المرضى. و اذا كنت أيها المحب لصلاح دماغه تعلم أن أفعاله الصحيحة إنما تتم لصلاح مزاجه، و مزاجه مع مزاج جميع الأعضاء انما يتم و يصح باستعمال الموافق من المأكول و المشروب و الهواء و الحركة و السكون و سائر الأشياء المقدم ذكرها التي نحن في شرحها، ثم انك أصلحت مزاج دماغك مثلا و عدلته و صحّت لك أفعاله فأحذر ان تفرط في حركاته جميعا فيفسد بذلك مزاجه و مثال ذلك ان تأخذ نفسك كثيرا في تخيّل ما بعد و دقّ من المهن و العلوم العسرة الوجود، و البعيدة المرام و بالجملة تخيّل جميع ما عسر إمكانه كالذين[٢] يكدون خواطرهم و افكارهم في طلب علم الكيمياء، و العزايم و أعظم من ذلك بعدا تخيل قوم و تصورهم لأرواح تخاطبهم من الجن و غيرهم و قد يستعمل ذلك قوم على طريق الحيلة للتكسب و يظهرون أنه حق فيظن قوم أن لذلك حقيقة فيرومون تخيله فيكن ذلك سببا لفساد الجزء المقدم من الدماغ لكثرة ما يفرط عليه من الحركة التخيلية فيؤول الأمر الى فساد التخيل و كذلك القول من التمييز و الحفظ فان ناسا ايضا قد أكثروا من أخذهم لنفوسهم تصنيف العلوم و الكتب و حب المذاهب و عشق الآراء، و قوم بنظم الشعر و قوم بحفظه و حفظ كثير من الأقاويل الدنائية لطلب المراتب و الرئاسات فأفسد عليهم إفراطهم في ذلك و سهرهم و تعبهم (لأدمغتهم) فلذلك يجب أن يحذر من أفراط هذه الحركات و الأفعال و تجنب مباحثة من ساء عقله و قبح مذهبه و فسدت أفعاله منهم. فأما التعلم من العلماء و مفاوضة الأفاضل الأدباء و تخيل الحقائق و تمييزها من الأقاويل الكاذبة و الآراء الفاسدة و حفظ ذلك و أقتنائه بأعتدال و توسط فانه يقويّ الدماغ و يحدّ الخاطر و التخيل و يجود الفكر و التمييز و يزيد في قوة الحفظ. فالنفس الناطقة بذلك تسر و تنير، و كالذي قلناه في أفعال الدماغ و حركاته الذاتية فمثله افهم ايضا في افعاله التي يفعلها بغير ذاته و هي على ضربين، أحدهما: أفعاله الحركية و هي التي تمسك بأيدينا[٣] و تمشي بأرجلنا و بالجملة سائر الحركات الأرادية التي
[١] ( ٩٨ ب) وردت في الاصل( إذا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( كالذي) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( ادنيا) و الصحيح ما اثبتناه.