أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٧٣ - الباب السادسعشر في امتحان الأطباء
الطب جزء قد اكثر الناس استعماله و تعاطاه كل احد من اهل صناعة الطب حتى أحداثهم و من ليس له خبرة بواجباته قد اعدوا لهم مواضعا يقصدهم اليها كل أحد من صلح له و من لا يصلح، فيفصد كل من أتاه بغير توقف و لا حذر بسبب العوض الحقير، و لو كان الفاصد[١] بغير علم يعرف قدر ما يستخرجه من جسم الانسان من الدم و عظم نفعه.
و يعلم ان قوام بدن الانسان هو بالدم اكثر من ساير اخلاطه، و ان الطبيعة لم تعمل ما عليه من الدم الذي قد استخرجه هو في ساعة واحدة الا في زمان طويل و بعمل طويل لشفق من أخراجه، و لم يسارع الى اخراج مثل هذا الجوهر النفيس بذلك العوض الخسيس، لان النفع بالفصد اذا وضع موضعه عظيما جدا حتى انه يخلّص من التلف و من الوقوع في امراض طويلة، فلذلك يجب ان يكون الفاصد عارفا بعدة أمور: اولها هل يفصد الفاصد ام لا، و الثاني ما المرض الذي يصلح فيه الفصد، و الثالث كيف ينبغي ان يكون، و الرابع لم يفصد الفاصد؟ .. و هذه الأصول الاربعة هي مسائل تتفرع عنها مسائل كثيرة، و يلزم الفاصد معرفة جملتها و متى لم يكن عارفا بجملتها فينبغي له ان لا يفصد احدا الا برأي من هو خبير بها، من ذلك ان الفاصد اذا علم هل يصلح الفصد لمرض ام لا يقنعه ذلك دون ان يعلم من حال السن و المزاج و البلد و حال الهواء في الوقت الحاضر، و حال الفصل من السنة، و حال العمل و العادة و التدبير و السحنة هل يوجب كل واحد من هذه الأمور الفصد. كما اوجب ذلك المرض ام يمنعه. و بعلم هذه الامور يقدر ان يغلب بعضها، و يتبع الاغلب من هذه الفروع. و اما ما يضطره الأمر الى عمله من فروع الأصل الثاني. و هو العلم بما الحالة التي توجب الفصد، فان من فروعها ان يعلم ما الحال الطبيعية للبدن، و ما حال حال من الحالات غير الطبيعية، و ما الحالات منها التي توجب الفصد، و ما المقدار الذي ينبغي ان يخرجه الفاصد من الدم، و ما تبع ذلك من فروع هذه الأصل الثاني.
فأما فروع الاصل الثالث فيلزمه ان يعلم منها كيف ينبغي ان يكون الفصد عند شق العرق طولا ام عرضا ام ورابا و كيف ينبغي ان يخرج الدم ادفعة ام اثنين ام ثلاثة و كيف ينبغي ان يدبر و يساس من فصد بحسب مرض مرض. و يجب ان يعلم كيف الدم من لونه و كيف هو في قوامه، و كيف هو في رائحته، و كيف حركته في خروجه، فانه متى تيقن علم
[١] في الأصل( الفاضل) و الصحيح ما اثبتناه.