أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٩٨ - الباب التاسع عشر في العادات المذمومة التي قد اعتادها كثير من الناس فهي تضر بالمرضى و الأطباء
المريض في ابتداء مرضه، ثم لما تطاول الامر و ساءت حال المريض و علموا ان جميع ما تعبوه و انفقوه ضائع صاروا يحذرون على اكثر الحالات من الطبيب الثاني و ان لم يكن عندهم بصورة ذلك فهم يتوقون الاقدام على دوائه بسرعة و يتوقفون بالجملة في جميع ما كانوا يعملونه من مصالح المريض و توفية الطبيب حقه انتظارا لما يكون من اثره لئلا يجري امره كما جرى مع الاول. فلعلم الطبيب الاول الفاضل بهذه البلايا التي قد انساقت اليه و ما يقع فيه من التعب و التهمة و لو بري المريض بعد التعب الشديد لقد كان في (لجة) ذلك الطبيب الاول ما يحمله على ان يقول ان البرؤ انما حصل له بتدبيري الاول فيكون ما عمله الثاني تحت الشك. و اما ان مات المريض فقد كان انساق اليه من البلايا الشديدة و اعظم لان ذلك الطبيب الاول قد فاز بالفائدة و تخلص من الورطة التي كان فيها و التي يخشاها فيما بعد من سوء الذكر و غيره، و وقع ذلك الطبيب الثاني في جميع ذلك و تبشم به و لعل من له من الحساد و الاعداء يجدون الفرصة من التشنيع عليه بأنه اخطأ عليه و قتله. و يقول ايضا الاول الا كانوا تركوني و تدبيري لقد كان برأ، و مع جميع ذلك يذهب تعب الثاني، و ان كان اعطى ادوية من عنده لم يحصل على شيء من ثمنها فلجميع هذه الاسباب يرى الطبيب ان الصواب له و خاصة ان رأى ان المريض لا برؤ له الا يعود الى ذلك المريض فاذا هو انصرف من عنده و لم يعد جاءته الرسل لتعلق مكث المريض و اهله به فحينئذ يقع من المكروه الداعي لانه ان كان ذلك المريض سلطان او من حاشيته اخذ قهرا، و ربما سيق الى حتفه و ان كان المريض من متقدمي البلد و مشايخه لم يتهيأ له الامتناع عليه لئلا يتسبب عليه انواع المكاره بذم ذلك الشيخ و اصدقاؤه له، فاذا تتابع عليه مثل ذلك الذم مرة بعد مرة لم يمكنه المقام معهم في بلدهم هذا ان سلم من رائجي المكاره، و ان كان ذلك المريض من اشرار الناس كان الفزع اشد و اروع. لان الاشرار لا يفكرون فيما يأتوا به من القبيح و لا يتوقفون ان يعملوه. و ان كان ذلك المريض من ضعفاء الناس و فقرائهم قيل عنه انه لم يعنى به لفقره و لأنه لا يرجو منه فائدة فتأمل ايها الحبيب هذه البلايا الرديئة و المكاره العظيمة التي تنساق و تنسب على الاطباء، و خاصة الافاضل من سوء عادات الناس و تدابيرهم الرديئة لنفوسهم فكيف تسببت ايضا على المريض فاهلكته، بل كيف تتسبب امثالها على الصحيح حتى تمرضه و تهلكه و انما كان مبدأ جميع ذلك الاطمنانية الى غير الثقة و القبول منه و الانبساط اليه و الى ملقه و حلاوة حديثه و مسارعته في الخدمة و اظهاره النصيحة