أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٤ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
المصلح للجسم فاني أحدثك في طريق سهل المرام واضح المسلك قد أسعفنا من تقدم من العلماء يتوطيده و أبان لنا سبله، و أول المبادىء لهذا الطريق لمن أراد تعديل جسمه ان يتفقد أفعاله إذا رام أعماله، فان وجدها جارية مجاريها، و لن يتعذر عليه فعل ما و لا عمل من أعمال جسمه، فليعلم ان جسمه صحيح لا مرض به، و كذلك ينبغي أن ينظر في عضو عضو من جسمه فان العين خلقت لتبصر المبصرات من الألوان و الأشكال و غيرها، فإن وجدتها تدرك مبصراتها بلا عائق و لا تقصير قيل لها صحيحة و إن قصرت أو لم تبصر قيل لها مريضة أو عادمة الإبصار، و كذلك القول في سائر أعضاء البدن، و في جملة البدن، ثم بعد العلم بالصحة و بالبدن الصحيح يجب أن تعلم بماذا تحفظ الصحة على الصحيح لئلا تزول عنه فيقع في المرض.
ثم يتبع هذا التعليم الثاني، تعليم ثالث، و هو: إن يعلم المريد إزالة المرض عن الجسم إذا حلّ به المرض، ما هو المرض، و اي الأمراض هو، و كيف يزال، و بإي الأشياء و التدابير يزال، و يحتاج بالضرورة الى علم جميع ذلك من رام علاج الأمراض، و لأن ليس غرضنا فيما تذكر هاهنا شيء من هذا الفن فلذلك لا نذكر شيء منه من هذا العلم التعليم الثالث، شيئا إلا ما جرى بطريق العرض في فروع[١]
الكلام، و لكني أقول ان ما أذكره في هذا الباب الثاني من هذا الكتاب في حفظ الصحة و تعديل الجسم بالأغذية و الأشربة و التدابير و تعريفي جملا من تقدير هذه على طريق القانون العام فانه ينبه ذا اللّب و الفطنة الى معرفة أصول تدابير المرضى و جمل ينتفع بها في علاجهم، و هو أيضا يحث المتعلمين على طلب معرفة الأمراض و ما يعالجون و يدبرون به المرضى. فلنرجع الى غرضنا فنقول لمن علم أن بدنه صحيحا ان أول ما ينبغي لك ان تعلمه في حفظ صحة بدنك ان تعلم بماذا يحفظ الصحيح لتقدر على حفظ صحتك، و من ذلك بالضرورة تعلم بأي شي تجتلب الصحة إذا فقدت. فأعلم الآن أن الصحة تحفظ بما شابهها لأن الشبه يحفظ شبيهه و لذلك يكون اجتذابها بما يضادها لأن الضد ينبغي ضده و لا (يغلطك) ما تراه من أمزجة حارة مثلا باشياء باردة و أمزجة باردة تصلح بأشياء
[١] (+) وردت في الاصل( مساوى) و الصحيح ما اثبتناه.