أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٨٩ - الباب الثامنعشر في التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب و الفرق بين خدعهم و الحيل الطبية
الطبيعية في كثير من امورهم و استعملوا التشبيه و المماثلة و الحدس و جميع ذلك قصد العلم الخفي بالظاهر. و اما اصحاب المهن فامرهم في استعمال الحيل لاستخراج محاسنها ظاهر حتى ان اكثر الناس يعجبون مما يعمله اصحاب الحركات و الخيالات، و ما يظهره اصحاب السحر من العجايب التي تدهش كثيرا[١] من الناس لاستتار أسبابها و عللها عنهم حتى ان قوما منهم يظنون ان آلجن تفعل ذلك، و آخرون يرون ان قوى إلاهية تخدمهم في ذلك، فهذه الاشياء و امثالها لم تتم للناس الا بلطيف حيلة للعقل. الا ترى ان صناعة الطب لم تستخرج محاسنها بما فيها من العلاج و الاعمال الا بطريق الحيلة كقدحهم العين حتى تبصر من قد عمى، و كبزلهم الماء من المستسقي، و من اصحاب القيل[٢] المائية، و كاستخراجهم الأخلاط الردية المفسدة بأدوية معلومة و بتقدير معلوم. و لكي يصيبون الغرض و يستخرجون ذلك الخلط بعينه، و لان لذلك طرق و قوانين قد تفضل اللّه بها على نوع الانسان وضع العلماء بهذه الطرق فيها كتبا ليعلمها من اراد التعرض لذلك لئلا يسلك غيرها فيهلك الناس كالذي فعله قدماء الأطباء من ذلك ما وصفه الفاضل جالينوس من كتبه (التي) رتبتها ترتيبا طبيعيا. و على مذهب التعليم فبدأ من أول ما ينبغي ان يعلمه الطبيب و سار على نظام حتى بلغ الى نهاية ما فيه صناعة الطب و هو أعوض ما فيها و الطفه و احسنه، فوضع طرق ذلك و ما استخرجه القدماء من الاطباء بتلك الطرق اللطيفة، فوضع جميع ذلك في اربعةعشر مقالة و سمى ذلك الكتاب حيلة البرؤ فاذن بهذه الحيلة انتفع الناس و هي نتائج العقول و ثمرات الفضايل التي يستحق بها المدح و التشريف.
و اما من سلك طرق الحيل في الوصول الى كسب الدراهم على غير الواجب و بلوغه لذاته فقط فما مثله الا كذيب قد ستر نفسه ليفترس ما امكنه افتراسه. و ليس الضرر الداخل على الناس من اصحاب هذه الحيل كالضرر الداخل عليهم من الحيوانات المؤذية بل اعظم كثيرا، لان الحيوانات لا تقدر على التقلب من فعل الى فعل لكن لكل واحد واجد منها فعلا طبيعيا خصه به تكون أذيته، فاما الانسان الشرير المؤذي (الحيول) فانه يؤذي بطرق مختلفة و يتقلب في الافعال المؤذية بحسب اتساع حيلته فلذلك هذه الطائفة على نوع الانسان أشر من السبع و الذيب و النمر و الافعى و العقرب و غيره من المؤذيات.
[١] وردت في الاصل( كثير) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] القيلة- هي الأدرة اي الخصبة المنتفخة بالماء.