أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٥٧ - الباب الثالثعشر في ان الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته من صناعة الطب من الناس كافة و لكن تشريفه من الملوك و افاضل الناس ينبغي ان يكون اكثر
خمسة أنفس و وجه فحمل عياله من جنديسابور[١] و يوحنا معهم صبيا فما مضت الأيام و الليالي حتى اشتكت عين الرشيد فقال له الفضل يا أمير المؤمنين طبيبي ماسويه ليس له نظير و خبر قصته في نفسه و بقصة غلامه، فأمر الرشيد فأحضر ماسويه، فقال له تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟ قال له يا أمير المؤمنين و كيف لا أحسن و انا اخدم المرضى في البيمارستان منذ اربعين سنة؟ فقال أدن مني، فدنا و نظر الى عينيه فقال: الحجّام يا أمير المؤمنين فحجمه على ساقيه، و كحله، و قطر في عينيه فبرئ بعد يومين فأجرى له الفي درهم في كل شهر و علوفة و منزلا و الزمه الخدمة، فصار نظير جبرئيل في الدار و يحضر بحضوره و يصل حيث يصل الا ان ارزاق جبرئيل كانت في ذلك الوقت خمسة آلاف و معونة خمسين ألف درهم و انزاله ضعف ما أجري لما سويه. و اعتلت (بانو[٢]) أخت الرشيد فلم يزل جبرئيل يعالجها بأنواع العلاج فلم تنتفع به فأغتم الرشيد بعلتها، فقال ذات يوم ان ماسويه الكحال قال لنا انه خدم في البيمارستان للمرضى أربعين سنة فليدخل على عليلتنا فلعل عنده من أمرها حيلة، فأحضر جبرئيل و ماسويه فقال ماسويه لجبرئيل بماذا عالجتها منذ اول يوم أعتلت الى هذا اليوم، فلم يزل جبرئيل يصف ما عالجها به، فقال ماسويه: اما العلاج فصالح و التدبير مستقيم[٣] و لكني احتاج أراها، فأدخل اليها، فلما نظر اليها و تأملها وجس عرقها قال لأمير المؤمنين: طول البقاء لك يا أمير المؤمنين هذه تفضي بعد غد ما بين ثلاث ساعات الى نصف الليل، فقال جبرئيل تعيش و تبرأ، فأمر الرشيد ان يجلس ماسويه في بعض دوره في القصر، فقال و اللّه (لاغرقن) ذلك و لأسرته فو اللّه ما رأينا بعلم الشيخ بأسا، فما حضر الوقت الذي حدده توفيت[٤] فلم يكن للرشيد همة حين دفنها حتى جلس و أحضر ماسويه فساءله و اعجب به، و كان اعجمي اللسان و لكن كثير التجارب، فصيّره نظير جبرئيل بن بختيشوع في الرزق و المعونة و الإنزال و المرتبة و غير ذلك، ثم اتخذ ماسويه علماء و حكماء يعلمون ابنه يوحنا فخرج فاضلا في اهل عصره في العلم و كذلك جبرئيل ايضا علم بختيشوع ابنه فخرج أديبا فاضل النفس، فلما توفي الرشيد و توفي ماسويه و افضت الخلافة
[١] جنديسابور- هي العاصمة العلمية للساسانيين بالاهواز، و قد بناها سابور الاول و اسس فيها كسرى انو شروان مستشفى و مدرسة طبية
[٢] وردت في الاصل( بانوا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( مستوى) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] نقل ابن ابي اصيبعة هذه الحكاية الى كتابه العيون ص ٢٤٤.