أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤١ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
نفسه، فنفس الانسان لما كانت أصفى النفوس و أعدلها، بني لها جسم[١] أكمل الاجسام أعضاء، و أتمها هيئة، و أعدلها مزاجا لتكون أفعاله تامة متقنة ككمال نفسه و تمامها و شرفها.
و ايضا لما كان البدن آلة للنفس، و كانت أعضاء البدن مخلوقة لنفس الحيوان بحسب قواها و كان لكل حيوان من الحيوانات عمل يخص ذلك النوع من الحيوانات لا يقدر على غيره، و أعضاءه كلها مرافد بعضها بعضا في مصالحه، و في اكمال ذلك العمل كالذي نجده من عمل الزنبور و النحل و النمل لثبوتها كل واحد بحكم ثبوته، و تشكلها بغير تشكيل الآخر لكن بحسب ما يلائم مصلحته، و كنسج العنكبوت لأجنته و دود القز، و ما سوى ذلك من الحيوان، و كان الانسان لشرف نفسه، و لكمالها و لقوة عقله على العلم بجميع المهن و الصنايع، و ان الحكيم جل ذكره أراد إظهار ما في قوة نفس الانسان الى الوجود بالفعل خلق أعضاء جسمه أكمل و أتم ليقدر على جميع ما يعمله الحيوان طبعا بعقله، فخلق تبارك له اليدين ليقدر بهما على عمل ما دقّ من المهن و ما جلّ و ليتخذ بها أنواع السلاح كالسيف و الرمح و النشاب و الترس، و يروض الخيل ليركبها، إذ كانت هذه الأشياء متفرقة في الحيوانات كالذي يوجد من الأنياب للخنزير لينجل بها فيقطع ما أمكنه قطعه، كقطع السيف، و كرمي القنفذ بشوكه كرمي السهم، و كالقرون و المخالب[٢] و الجبن لسائر الحيوان. و ليست توجد أمثال هذه مجموعة ترى كاملة الا للانسان وحده لأنه بعقله يلتمس الأعمال و يقوّمها، و الحيوان فانما له عمل واحد يعمله بطبعه، ألا ترى ان الحيوان لما كان بأسره مضطرا في البقاء (الى) المأكول و المشروب و المكان و الستر من الحر و البرد و التناسل، صار بطبعه يتخذ له الأعشاش و البيوت، و بطبعه يعرف انواع أغذيته الموافقة له في بقائه، لا يبعد لها، و مشروبه لا يتعدّاه، و يزاوج الذكور من كل نوع اناثه للنسل لا يتجاوز ذلك، و بعضه في اوقات من الزمان لا يزيده، و ما لم يقدر عليه من مصالحه بطبعه خلقه اللّه تعالى له لطفا به لئلا يهلك كالأصواف و الأوبار و الريش و الشعر و الجلد التي هي كسى له ساترة من الحر و البرد. و أما الانسان العاقل فلمّا وهب اللّه له تبارك و تعالى ما هو أشرف من الطبع و توّج بالحكمة و العلم الأمور الزمانية السالفة اللائقة، و صار يعلم ما يصلح[٣] له ان يتصرف
[١] وردت في الاصل( جسما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] ( ٥٧ ب) وردت في الاصل( المخاليب) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( ما يصلحه) و الصحيح ما اثبتناه.