أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٣٤ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
بوضع هذا الكتاب قد كنت عزمت على أن أطرح أكثره، و ذلك لئلا يبغضني و يشنأني كثير من الناس، و قال في الحاديةعشر[١]: و لا علم لي كيف يجوز أن أنسب من زعم أن هذا التدبير العجيب و الحكمة الفائقة وقع كل ذلك بالبحث، و الاتفاق يا هذا ان كان هذا يقع بالبحث و الاتفاق فأي شيء يكون بالتعمد و العناية و القصد و اللطف و الحكمة. و قال جالينوس هذه المقالة مقرّا بصحة ما قاله موسى ٧ و على سائر النبيين، و الذي هو أفضل و أصوب هو ان نقول في ابتداء خلق الخالق لجميع ما خلق على المذهب الذي يقول به موسى، ثم قال: قف عند العلم و القول أحب أن تكون هذه الأمور على ما وصفناه لهذه الأسباب التي ذكرتها و لا يتجاوز ذلك عن الفحص عن كيف كانت فان الفحص عن ذلك جرأة و تهجم و إقدام فإياك أن تأخذ فيه و لا ترده فأنه قبيح بك أن تتقدم على الفحص كيف كانت أمور قد كنت أقررت بأنها كانت، و لا سبيل لك الى العلم بذلك. و قال في (السابعة عشر)[٢] و هي آخر مقالات الكتاب: و قد بلغ من حكمة القادر البرغوث و قدرته إنا نجده يخلقه و ينميّه و يغذوه اضلاعنا و لا نكلف، فاذا كنا نجد في هذا الحيوان الذي قد بلغ من خساسته ان يتوهم المتوهم انه انما كان عن غير تعمد حكمة هذا مبلغها فكم بالحري ينبغي ان يتوهم فضل حكمة الباري و قدرته في أصناف الحيوان الجليلة القدر، فهذا أحد المنافع العظام التي نستفيدها من علم الطب أعني من طريق انا محتاجون الى الدلالة على قوة اللّه ان كان قوم يرون ان هذه القوة ليست موجودة أصلا، فضلا عن أن يكون يعنى بمصالح الحيوان، و قال جالينوس أيضا في كتابه فيما يعتقدونه رأيا و قد ذكره اللّه تعالى فانه شفاه من علة مؤيسة فقال: و لذلك أعتقد إعظامه و تبجيله و اتبع في ذلك الشريعة و السنّة و أقبل ما أمر به سقراطيس[٣] من قول ما أمر اللّه به. فبدى ما ذكرناه في هذه الأقاويل الجليلة عن (هؤلاء) القدماء الأفاضل الذين يقرون فيها باللّه تعالى و برسله و بالوحي و بالثواب و العقاب لم يشف بعد عمى هذا الشقي المغرور، و نحن نقول ان ما أحضرناه كاف لمن آثر الحق و مال الى الصدق و لو عرفت أن الزيادة تنفع من لم ينتفع بما تقدم ذكره لزدت من
[١] يقصد المؤلف بذلك المقالة الحاديةعشر من كتاب منافع الاعضاء.
[٢] يقصد المؤلف بذلك المقالة السابعةعشر و هي المقالة الاخيرة من كتاب منافع الاعضاء.
[٣] سقراطيس- و هو سقراط.