أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٧٨ - الباب السادسعشر في امتحان الأطباء
هذا فقد بان ان من لم يعلم قوى الطبيعة و افعالها على الاطلاق لم يكن طبيعيا[١] لانه لا يعلم امزجة انواع الحيوان و النبات و الجماد[٢] و كيف يستحيل و يغتذي بعضه ببعض. و اذا كان ذلك عند الطبيعي مجهولا فاحذر ان تكون هذه الاجناس من الاسطقسات و استحالة بعض الاسطقسات الى بعض، و تولد ما تولد من امتزاجها من الأجسام و ما يعرض لجواهرها من الأمراض. و اذا جهل ذلك كان من الواجب الا يعلم هذه الاشياء المقدم ذكرها في بدن الانسان لان الانسان جزئي لهذه الكائنات، و الجزئيات المتشابهة الأجزاء ابدا تابعة لكلياتها. و لما علم معلمنا الفاضل جالينوس ان ذلك واجب ضرورة و ان بقراط و سائر قدماء الاطباء بهذه الاصول تمسكوا، و عليها بنوا كتبهم، و بفروعها تعلقوا في حفظ الصحة و في شفاء الأمراض اللذين هما غرض صناعة الطب و مقصده، عمد جالينوس الى أصل من هذه الاصول الطبيعية التي لا قوام لعلم حالات بدن الانسان الا بعلمها فميّزها و وضع من كل اصل منها كتابا و نسبه الى ذلك الأصل و سماه لانه يشتمل على ذلك الاصل و فروعه و لم يزل يفعل في اصل اصل كذلك حتى اتى على اصول الطب باسرها و لما رأى الاسكندرانيون و هم افاضل علماء من اهل هذه الصناعة حين كانوا يجتمعون و يجمعون المتعلمين لصناعة الطب ان احداث زمانهم لا تبلغ بأكثرهم هممهم الى قراءة جميع تلك الكتب و خاصة التي وضعها جالينوس، و أرادوا تقريب صناعة الطب من المتعلمين لها رتبوا من كتب جالينوس ستةعشر كتابا و جمعوهم ايضا معا لاكثرها طلبا منهم للأيجاز و الاختصار و كانوا يقرؤنها في الاسكول[٣] أعني موضعا كان لهم للتعليم و لذلك يجب الآن على من ادعى علم طبيعة بدن الانسان و انه قيم بحفظ صحته و بعلاج إسقامه ان يكون خبيرا بهذه الكتب على ترتيبها، و ان يكون قد قرأها على استاذ عالم بها، و من ادعى علم ذلك فيجب ان يبدأ معه بالبحث و المساءلة من اولها و اولها كتاب فرق الاطباء لجالينوس[٤] فيسأل عن غرض جالينوس في هذا الكتاب الذي يدعى قراءته و عن عنوانه و عن مرتبته و عن منفعته و عن قسمته و عن صحة نسبته و عن اي أجزاء علم صناعة الطب منه و اي انحاء التعاليم
[١] في الأصل( طبيعي) و الصحيح ما اثبتناه
[٢] في الأصل( بالجماد) و الصحيح ما اثبتناه
[٣] الاسكول- تعبير لا تبنى و معناه و كان الدراسة، اي المدرسة
[٤] كتاب فرق الاطباء- او كتاب الفرق اختصارا، و هو بمقالة واحدة، و قد فسّره يحيى النحوى( ابن ابي اصيبعة ص ١٣٤، ١٥٤) و ترجمة الى العربية حنين بن اسحاق، و حققه و علق عليه محمد سليم سالم سنة ١٩٧٧