أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٦٣ - القول فيحاسة المذاق و الأشياء الموافقة لها
القول فيحاسة المذاق و الأشياء الموافقة لها
حاسّة المذاق تتم باللسان و اللّهوات و الحنك و ذلك بالعصب المبسوط على هذه الآلات من الفم، و الفم لما كان يشتمل على الأسنان و على جميع اجزائه التي خلقت فيه لأنواع من مصالح الجسم كتعرف لأصناف الطعوم و كيف طبعه للاغذية و كسرها[١] ما صلح ان يكسر منها ثم طحن ما يصلح للطحن بالأضراس و تقليب اللسان لذلك الغذاء و ترطيبه بالرّيق ليتم طحنه و تساوي أجزائه لتكون صورته واحدة في اللين ليسهل نفوذه في المري و ايضا مما ينتفع به الحيّ في صلاح حياته بالفم ما يرد منه من الهواء الى الرية و القلب ليروح عن حرارته الغريزية و يمدّها بما صفى و نقى من الهواء. و من منافع الفم و آلاته خروج الصوت منه الى الحيوانات و خاصة في الانسان الذي خصّه الباري تعالى بالقوة العاقلة القادرة على تفصيل صوته[٢] و تقطيعه بآلات الصوت و بآلات الفم حتى صحّت له النغم و الحروف و قدر تلطيف تمييزه على جميع تلك الحروف من صح له القول الدالّ المعبر عمّا في نفسه من الأمور المتصورة فقدر بذلك النطق على الأقاويل المختلفة و العبارات المتباينة في أصناف العلوم[٣] و الفم أذن[٤] باب يدخل منه و يخرج ما ينفع الانسان في مصالح نفسه و جسمه فكما ان بحاسة الذوق و ما خلقه الباري تعالى من القوة النفسانية المميزة للعلوم يمكن العاقل ان يعرف الغذاء من الدواء ليستعمل كل واحد منها في وقته و يعلم ايضا مما يبرز من الفم كثيرا من حالات البدن كالبصاق و الجشأ و القذف و ما جانس ذلك في كل واحد من هذه الفضلات عدة علامات يستدل بها على صحة المعدة و سقمها، و كذلك حالات غيرها من الاحشاء، كذلك يستدل العاقل من الناس من الالفاظ و الاقاويل الصادرة عن النفس على قدر شرفها و علو فضيلتها او على حساسيتها و سقوط منزلتها و إذا كان ذلك كذلك فيجب ان يعنى كل عاقل بنفسه و جسمه لئلا يرد اليها الا محمودا موافقا لهما و لئلا يصدر عنهما إلا مرضي ممدوح.
و أعظم ما اعان على ذلك صلاح الحواس و خاصة الفم الذي هو الآلة للذوق و النطق فان
[١] وردت في الاصل( كسر) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( صوته) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] هذا المقطع لا يتسق مع موضوع الفصل و لعل الناسخ قد اقحمه من فصل او كتاب آخر دون وعي منه.
[٤] وردت في الاصل( إذا) و الصحيح ما اثبتناه.