أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٦١ - الباب الرابععشر في نوادر جرت لبعض الأطباء بعضها من جنس تقدمة المعرفة و هي تحث الطبيب على تعرف طرق الانذار و بعضها مستظرفة تحث الطبيب على اختبار تحصيل مستطبه لئلا ينسب الفساد الى الطبيب
العامة و يفتضح و همهم و كيف لا يهرب هؤلاء الاطباء من الاحاد المناظرين لهم على صناعتهم و هم يخدمون ألوفا من الناس لا يعرفون من خطأهم شيئا يتصورونه صورة الصواب، و يعتقدون في اطبائهم انهم حذاق بسبب صناعة الطب و السبب في ذلك مع جهلهم و قلة انتقادهم انهم يجدونهم يتولون لهم و يكثرون الترداد الى منازلهم و يرخصون عليهم الادوية و كثير منها يأخذونها بغير ثمن، فهم لذلك أفاضل عندهم و لا يفكرون في ان يهلكون عند امراضهم بتدبير هؤلاء الاطباء لهم. و كيف لا يكون بهذا الجهل و سوء العقل و البحث قوم لم يتأدبوا[١] و لا عرفوا من امور الدنيا شيئا الى مباكرتهم الى التكسب بالصنائع و تشاغلهم نهارهم اجمع بالحيلة على جمع الدراهم ثم اذا انصرفوا الى منازلهم نعسوا و ناموا، كذلك يجري امرهم طول زمانهم، اترى من اين يقتني امثال هؤلاء ادبا او علما[٢] و هل منزلة هؤلاء و من هم بصورتهم من الاطباء الا بصورة البهايم التي هي سائرة مع طبعها.
و لقد سألني شيخ من ابناء السبعين سنة و فوقها يوما و قد كنت أشرت عليه بأن يغذي مريضا كان له كنت اعوده بمزورة[٣] و هو واقف بين يدي قصاب قد ذبح شاة مسنة هرمة فقال لي:
هل اخذ من هذا اللحم؟ فقلت: و لم تسألني عن ذلك؟ فقال اردت هل يصلح للمزورة التي اشرت بها؟ فنظرت اليه متعجبا منه، فقال لي: أراك تنظر الي و لا تجيبني، قلت: نظري اليك تعجبا منك و انت شيخ لك فوق السبعين سنة و لا تعلم ان المزورة لا تكون بلحم، و لو صلح ان تكون بلحم هل كان يجوز أن يكون من هذا اللحم، ليس العجب منك، العجب ممن يدبّر مريضا لك. و لم أعد الى مريضه خوفا ان يجبني ما هو أعظم من هذا فينسب اليّ. و مثل ذلك ايضا جرى لي مع آخر من السوقة بحلب كان به إسهال دفعت اليه سفوفا و أشرت عليه ان يغتذي بمزورة (نيرباخ)[٤] فلما جاءني في الغد شكا وقوف حاله فأمرته بمعاودة تدبيره بعينه فأخذ يذم المزورة و يحلف انه لا عاودها، فقلت لأي سبب؟ فقال لانها لم تكن طيبة، فعلمت انه لم يهتد[٥] الى جودة عملها لانه لم يكن خبيرا بالطبيخ و كان عازبا،
[١] وردت في الاصل( يتادبون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( ادب و علم) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] الطعام المزوّر هو الذي يخلو من اللحم، و يزوّر ليظهر فيه و كانه يحتوي عليه.
[٤] مزوّرة نيرباج- لم اقف على تعريف هذه المزورة.
[٥] وردت في الاصل( يهتدي) و الصحيح ما اثبتناه.