أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٦ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
يعلم هذه الطرق و يتقنها و يعمل بها هو الطبيب، لأنه من أقبح الأشياء ان يرى العاقل من الناس أن مصلحته في شيء و هو يعمل ضده ليسيره[١] الى لذة ما، او لهوى آخر غير ذلك، و بعد إحكام الطبيب لما ذكرناه من جمل الأصول و فروعها فيلزمه أن يعلم أن الأبدان لا تثبت على حالة واحدة لسرعة تغاير الأزمان لها، و تبدل أمزجتها فالأبدان لذلك تنحل دائما و تنقص فلذلك هي محتاجة الى ما يخلف عليها عوضا لما تحلل منها و المخلف عليها ذلك هو الغذاء، و لأن لا سبيل لنا الى ان نورد الى أجسامنا مثل ما يحلل منها سواء في مشابهته أو مقداره لأن ذلك من أعمال الطبيعة فلذلك وجب علينا الا نورد الى اجسامنا و نحن نريد ان نغذوها ما بعد عن مشابهتها بعدا كبيرا لكن نجتهد في أن يكون ما نورده من المأكول و المشروب أشدها مشابهة لأجسامنا و أقربها من نوعها و أسرعها استحالة اليها، و بغير شك أنه من لم يحكم بعرف مزاج جسمه و حكم معرفة أنواع المأكولات و المشروبات و يعلم مقدار مزاج من جميع ذلك أنه لا يقدر على معرفة ما يحفظ صحته من الأغذية و الأشربة، و لا يحسن تقدير ما صلح منها لنفسه و لا لغيره و أيضا اذا كانت المأكولات و المشروبات القريبة الشبه لأبداننا الموافقة لأمزجتنا و لو أنه على غاية ما يمكن من المشابهة لا تغذو[٢] ابداننا و لا تلتصق بأعضائنا إلا من بعد طبخ أعضائنا لها و نضجها و بعد تميز الطبيعة لها لتدفع الى كل عضو ما يشاكله و يشبهه فلا بد من تفاضلات لا تصلح لتغذية الأعضاء فيجب بروزها فلذلك أعدّ الباري تعالى في جسم الانسان مواضعا[٣] تجتمع فيها، و طرقا تبرز منها لئلا تفسد بكثرتها، و طول مقامها و لذلك صار واجبا على حافظ الصحة أن يفتقد هذه الجوانب[٤] و الطرق و هل أفعالها جارية على الأمر الطبيعي و هل هي في خدمتها لطبيعة ذلك البدن على ما ينبغي أم يحتاجه الى معاونة من خارج فان من أفعال الطبيب تفقد ذلك و أعانة الطبيعة بجميع الوجوه على إخراج ما كثر و إصلاح طرقها بحسب طاقته فقد بان[٥] اذا مما قلناه أن الطبيب يلزمه العلم بما يورده الى البدن بنوعه و بسائر حالاته و اصلاحاته
[١] وردت في الاصل( ليسره) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في( الاصل تغدوا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( مواضعا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( الجواين) و الصحيح ما اثبتناه.
[٥] وردت في الاصل( إذا) و الصحيح ما اثبتناه.