أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٤٩ - الباب الثالثعشر في ان الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته من صناعة الطب من الناس كافة و لكن تشريفه من الملوك و افاضل الناس ينبغي ان يكون اكثر
المعلوم ان هؤلاء هم اصحاب عدل و عفه و شجاعة و رأفة و قناعة (و بصفة) يؤثرون للصدق و يأبون الكذب و يكرهون الآثام و يبعدون من الحرام فكل عادل عفيف منصف رؤوف ذي اخلاق فاضلة فهو يعرف بما فيه من الفضل فضل صناعة الطب و أهلها و لما كان الملوك و الرؤساء بما خصّهم اللّه به من انواع السعادات يؤثرون السعادات و يحبون الفضائل و أهل الفضل اكثر من غيرهم ممن دونهم وجب لذلك أن تكون عنايتهم بتقويم هذه الصناعة اكثر من غيرهم، لتصح حقيقتها و يظهر نفعها للخاص و العام فبسر شرفها يكون الملوك العانين بتقويمها و يكشف حقيقة ما فيها اعظم نفعا للناس منها مشكورين محمودين من سائر الناس و عند اللّه مقدمين و منه مثابين هذا مع ما تخلص لهم من النفع لاجسامهم و الفضل لنفوسهم. و حسب من حصلت له هذه الفوائد شرفا بها و نفعا منها. و حسبا للطبيب بذلك بهذا الشرف و بهذه المنزلة الجليلة عند اللّه و عند اوليائه، و سائر ابناء نوعه التي لا يفي بها غلاء الجواهر و لا كثير الاموال، فأما من لم يكتف بهذه المرتبة العالية من الاطباء لكنه رغب في منافسة اهل الدنيا عليها فطلب جمع الذهب و الفضة و تشاغل بجمعها عن اكتساب فضائل صناعته و البحث عن دقيق معانيها و لطيف أسرارها فقد بان بذلك جهلة بمنزلتها لانه باع النفيس بالخسيس و الشريف الباقي الدائم بالحقير الزايل الداثر و انكشف بذلك قلة معرفته بسير افاضل الأطباء و بما يؤول اليه حال من رغب في علم هذه الصناعة و عمل بعلمها من الدنيا و الآخرة، فأما جهله بسير افاضل اهلها و مخالفته لآرائهم فيها فيبين مما نذكره من سيرهم في هذا الباب الآن و فيما يأتي بعد في الابواب الآتية من سيرهم و اخبارهم مع ملوك اليونانيين و غيرهم، فإن كان ما نذكره قليل من كثير من ذلك ما حكاه جالينوس عن بقراط لما وجه بعض الملوك اليه بقناطير كثيرة من الذهب و بذل له كرامات كثيرة ليصير اليه و لم يكن ذلك صوابا عنده لضرب من السياسة و كبرت نفسه عن ذلك و لم يلتفت اليه و من ذلك ايضا جالينوس لما سلك طريق صناعة الطب في علاجه برومية لاولاد ديموس الفيلسوف و لابن جارنليس صاحب المراقد و لغيرهما ممن شفاهم اللّه على يديه و بان فضله و عرف قدر منزلته من الصناعة فحسده أطباء رومية و أخذوا في عناده لم ير[١] مقاومتهم و لا سلوك طرقهم و لا التفت الى مكاسبه و رياسته بل رأى الانصراف الى بلده ليعمل هناك الواجب مع قناعته بأهل بلده الذين كانوا أفاضل علماء أخيارا لان العالم الفاضل يرى ان موته خير له من كونه بين
[١] وردت في الاصل( يرى) و الصحيح ما اثبتناه.