أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٦٥ - القول في المأكول
تثلمها و تهشمها فان ما عدم منها و انثلم لم يعد، و احذر ايضا عليها من الأشياء العلكة و من البرودة المفرطة كالثلج و من ورود الأشياء الباردة بعقب الحارة، و مع جميع ما وصيتك فاجتهد الا يبرز من فيك نطقا الا مجملا[١] حين ما تنطق به من العلوم و لا يسمعه الا أهله و مستحقه و قل كما قال أفلاطن[٢] حين جلس يوما و حوله تلامذته سوى ارسطو طاليس فقيل له تكلم يا معلم فقال لو وجدت مستمعا لتكلمت، فقيل له حولك ايها الحكيم ألف تلميذ، فقال أريد واحد[٣]. و اذ قد ذكرت هذه الجمل في الحواس فقد آن لي ان أرجع الى تمام القول في تلك الأمور الطبيعية.
القول في المأكول
و اذا كان ما ذكرناه من مصالح الحواس الخمس نافع فيما نحن في الكلام فيه من إصلاح حالات الجسم و كان ذلك قد توسط الكلام في الأمور الطبيعية على طريق المثال و الارشاد و التنبيه، و كنا قد ذكرنا في الأمور الطبيعية أمر الهواء و أمور الحركة و السكون فيجب أن يتبع ذلك بالقول في أمور المأكول على الطريق الذي قلناه و سلكنا من الايجاز و ذكر الجمل النافعة التي تحث و تشوّق الى تقصي العلم بذلك من مواضعه و كتبه، و أقول ان المأكولات تسمى أغذية على طريق الاستعارة و لانه قد يكون منها أغذية ايضا. فأما الاغذية الحقيقية فانما هي الجوهر الذي قد تميز من المأكولات بالطبخ الأول و الثاني و الثالث و فارقته فضلاته التي لا تغذو و بقي ذلك الجوهر الذي يصلح ان يلتصق بالمغتذي و يخلف عليه عوض ما تحلل منه و هو الزايد في كميته لئلا يتحلل دائما فيهلك.
و اذا كان الأمر كذلك فانت تجد المأكولات مختلفة الطعوم و الكيفيات و بحسب أختلاف حالاتها تؤثر في البدن فيجب ان تتعرف جواهرها و أفعالها و تعنى ايضا بمعرفة البدن و مزاجه الطبيعي له، و لا بدّ لك مع ذلك من معرفة مزاج المعدة الطبيعي لها او المكتسب، و قد حثنا و أرشدنا الى ذلك معلمنا الفاضل جالينوس في كتابه في الأغذية[٤] فأنه
[١] وردت في الاصل( محصّلا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] افلاطن- هو افلاطون و قد مر التعريف به.
[٣] وردت في الاصل( واحد) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] كتاب الاغذية لجالينوس- لعله كتاب قوى الاغذية و هو بثلاث مقالات نقلها الى العربية إسحاق بن حنين( ابن القفطي ص ١٣١).