أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٥٠ - القول في الدماغ و مصالحه
تكون أعضاء الوجه متناسبة في مقاديرها و وضعها فالعينان منه معتدلتان لا بالكبيرتين و لا بالصغيرتين و لا بالسريعتي الحركة و لا بالبطيئتي الحركة. و الانف معتدل في طوله و قنونه و غلظه. و الوجنتين[١] معتدلتين[٢] الى الحمرة ما هما فكذلك فافهم من باقي الحواس و بالجملة في سائر أجزاء الوجه. ثم انظر بعد ذلك في افعال عضو عضو من هذه الأعضاء كالنظر بالعينين اذا وجدته صحيحا قويا و كقوة الأشمام و الأستماع و الذوق و تعرّف الطعوم على صحتها و كدرك حقيقة الملموسات مثل الحار و البارد و الرطب و اليابس و ما يتبع هذه من الكيفيات كالصلابة و اللين و الخشونة و الملاسة و ما شابه هذه فان بصحة هذه الأفعال ينبغي لك ان تقضي على صحة الاعضاء الفاعلة لها و بصحتها أيضا و بصحة الأعضاء الفاعلة لها مع صحة التخيّل وجودة التميز[٣] و قوة الحفظ فاقض على جودة صحة المزاج للدماغ مع سائر ما تقدم من العلامات. و حينئذ فاعنى[٤] بحفظ الدماغ و حفظه يتم بتعديل ما يرد اليه، و الأشياء الواردة على الدماغ منها طبيعية، و منها ليست طبيعية و لأن التي ليست بطبيعية لا وجه لذكرها هاهنا إذ هي من أسباب الأمراض فلذلك ينبغي أن أذكرك بالطبيعة فقط و أعرفك من فروعها جملا لتتخذها لك أصولا تفرع منها و تقيس عليها ما لم أذكره فيمكنك بذلك أن تحفظ على الدماغ و على سائر أعضاء البدن ما بطن منها و ما ظهر صحتها فافهم ذلك و اتخذه قانونا. و الأمور الطبيعية هي هذه حالات الهواء و الحركة و السكون و المأكول و المشروب و الاستفراغ و الأحتقان و النوم و اليقظة و الأعراض النفسانية، و البلدان[٥] و الأعمال و العادات و قوة الجسم و السن و السمنة و طبيعة البدن.
و أعلم أنك إذا عرفت مزاج أي عضو أردت حفظ صحته من أعضاء البدن أعني المزاج المعتدل و هو المسمى صحيّا ثم عدلت كل واحد من هذه الأمور الطبيعية بحسبه كانت أسبابا لصحته و كذلك إذا صارت بها أمراضه كانت أسبابا لشفائه من أمراضه، فتيقظ لذلك و اجعل ما تذكره من منافعها مثالا لك تستعمله في باقي أعضاء البدن إذا قصدت حفظ صحتها أو علاج أمراضها.
[١] الصحيح: الوجنتان.
[٢] الصحيح: معتدلتان.
[٣] الصحيح: التمييز.
[٤] الصحيح: فاعن.
[٥] و هذه ما عبّر عنها الاطباء العرب باسم الاسباب الستة.