أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٧٠ - القول في المشروبات
القول في المشروبات
و اما المشروبات فالعلم بقواها و افعالها واجب أيضا ليستعمل نافعها و يحذر ضارها و لا يقدر على ذلك من جهة امزجتها و طبائعها، و لأن الماء أقدمها كلها في الشرف و الطبع و المرتبة و النفع فلذلك يلزم العناية بعلم حالاته التي بها يفيد الأبدان و ذلك ان حاله الطبيعية له هي واحدة لا تختلف و ذلك انه جوهر لا لون له و لا طعم و لا رائحة و لكنه باردا رطبا و خلق جسمه لا ثبات له و لا أتصال لاجزائه الا بنظام يضمها و مكان (الأخزانه بعضها عن بعض يخزنه فلذلك[١] لا يغذو[٢] غير أنه نافع في نضج الغذاء و نفوذه الى أجزاء الاجسام فأما ما وجد من المياه مخالفا لما ذكر فبغير شك ان جسمه قد خالط غيره من الأجسام ذوات الكيفيات و اكتسب بذلك كيفيات لم تكن كالمياه الكبريتية و البورقية و الشبيّة و أشباه هذه المياه المختلفة الطعوم و الأفعال، و لذلك صار له طعم ورائحة أو ثقل عن وزن غيره، و لأجل ذلك يصير مغيرا للابدان و مؤثرا بايثارات مختلفة فيها، فيجب على الطبيب ان يعنى بمعرفة قوى المياه و اختلافها فان الضرر الداخل على الجسم من اهمال أمر الماء عظيم جدا لأصل الحاجة اليه في البقاء و استعماله دائما و أمره و أمر الهواء و أمر فصول السنة اذا اختلفت و أمر الرياح في عمومها للابدان أمر واحد[٣] في الضرر الداخل على الاجسام منها و لذلك قال بقراط هذا القول: قال بقراط من أراد طلب الطب على طريق المستقيم فينبغي ان يفعل هذه الأشياء التي أنا واصفها و هي ان تتفكر اولا في اوقات السنة ما الذي يقدر ان يفعل ذلك ان بعضها لا يشبه بعضا لكنها مختلفة جدا في أنفسها و في تغيرها. ثم ينظر بعد ذلك في الارياح الحارة منها و البادرة و خاصة ما يعم منها جميع الناس ثم ما يخص منها كل واحد من البلدان. و قد ينبغي له ايضا ان يفكر في قوى المياه، فانه كما قد تختلف المياه في الطعم و في الوزن. كذلك قوة كل واحد منها مخالفة جدا لغيره. و اذا تدبرنا ما أمرنا به بقراط بأفكارنا علمنا ان الماء عظيم النفع في حفظ الصحة اذا كان موافقا، و عظيم المضرة اذا كان غير موافق، و لا يقدر على تمييز ذلك و تحصيله اكثر مما ميزه القدماء و اشدهم تحصيلا لذلك
[١] هذه العبارة مضطربة فنقلناها كما هي.
[٢] وردت في الاصل( يعدوا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] ( ١٥١ ب) وردت في الاصل( امرا واحدا) و الصحيح ما اثبتناه.