أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٨٥ - الباب السابععشر في الوجه الذي به يقدر الملوك على ازالة الفساد الداخل على الأطباء و المرشد الى صلاح ساير الناس من جهة الطب و كيف كان ذلك قديما
و الشريعة، مستمد الرأي و التدابير من أهلها و بذلك يظهر شرفه و يزين ملكه فيكون اهل العلم و الدين في ملكه مشرفين أعزاء و اهل الشر و الجهل مرذولين اذلاء. و اذا كان الأمر على ما قلناه فمن البين ان التواني في كثير من الصغائر و اهمال أمرها ربما ادخل الفساد على الامور العظام فان الحقير من شرار الناس أهلك الخطير من المنازل و المدن، فلذلك يجب على القيم برعاية عامة، و المدبر ملك او مدينة الا يهمل من مصالحهم حقيرها فكيف شريفها و عظيمها. و من المعلوم ان لا شيء من المكونات اشرف من نفس الانسان و من جسمه، و اذا كانت المنافع لهما بطلت و لا شيء انفع من حفظها و اصلاحها فالملك اولى الناس بأختيار من عنده هذه المنافع و المصالح الشاملة و العامة ليس في نفسه و جسمه ثم لسائر الناس. و بغير ان الحافظ لصحة الاصحاء و المعالج للمرضى حتى تعود اليهم صحتهم هم الذين وهب اللّه تبارك و تعالى لهم من حكمته علما يقدرون به على ذلك مع ارادته و هؤلاء هم الأطباء و لما كان (قوم) قد تغطرسوا على هذه الصناعة فادعوها بغير معرفة بها وجب لذلك على الملك خاصة ازالتهم مما غصبوه اولا ثم ثانيا لاجل ما يدخل على الخاص و العام منهم من الضرر اذا تميز لهم فعل عدوهم فلا يمكن المرأة و السوقي و الغريب تمييزهم من غيرهم فيتجنبهم، فلذلك يكون الضرر بل القتل بينهم شائع، و هو بالحقيقة خفي فالملك الى دفع هذه البليّة عن جنده و رعيته عن نفسه ايضا واجب اذ كان في احايين قد يصير الملك الى من لا خبرة عنده بامور الطب فربما اضطره الأمر الى احضار طبيب[١] و لا يعلم بأنه غير موثوق به فيخطيء عليه و يهلك، فيكون اغفاله اعتقاد ذلك في حال صحته سبب هلاكه. و كذلك يتسبب دائما على خواصه و عوامه. فقد أتضح بما قلناه ان النظر من أمر الطب خاصة و الزام الأطباء بعد محنتهم و اختبار امورهم واجب على الملوك اولا ثم على الرؤساء و من اليهم النظر في مصالح الناس و العلماء و اهل العقول. و لما كان من ذكرناهم بعد الملك هم اكثر مشاهدة للأطباء و غيرهم من الملك، و يسمعون من اخبارهم ما لا يسمعه الملك و كان في انهاء ذلك و شرحه للملك مصلحة للملك اولا و لهم و لسائر الناس، وجب عليهم تعريف الملك و حثه على القيام بصلاحه، و بخطر ما ذكرنا و شدة الاهتمام به. كان قدماء اليونانيين يسلكون مع الاطباء طرق الاحتياط و شدة التفقد، فلذلك كان اطباؤهم[٢] على شدة حذر وتوق[٣]
[١] وردت في الاصل( طبيبا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( اطباءهم) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( توقى) و الصحيح ما اثبتناه.