أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٨٤ - الباب السابععشر في الوجه الذي به يقدر الملوك على ازالة الفساد الداخل على الأطباء و المرشد الى صلاح ساير الناس من جهة الطب و كيف كان ذلك قديما
يأخذ من ذلك بطبعه حسب الكفاية تارة و حسب ما تهيأ اخرى، و بين الحيوان في ذلك اختلاف و تفاضل. فاما الانسان الفاضل فلا يأخذ من الغذاء و لا من الجماع الا بحسب حاجته فقط، و المقدر لذلك هو العقل، و لاجل ان الطبع يعتبر باللذات فيزيد من الامور اللذيذة اكثر من حاجة الجسم في بقائه و صلاحه و العقل يريه قبح ذلك و فساده وقعت بينهما محادثة و مناظرة (و ضرب) لا يقدر الانسان العاقل الفاضل على توسطه و تعديله و طفي ناره الا بقوة عظيمة ثالثة جعلها الباري تعالى كالالة للحرب ليقدر بها المحارب على مقارعة محاربه، فان بادر العقل اليها و استعان بها على محاربة الطبع قهره و ظهرت رياسته و قدر على اظهار عدله و امكنه وضع الأمور مواضعها، لان الملك و الرئاسة قد حصلت له وحده و الحمل الطبع الذي هو ضده و هذه الآلة هي القوة الغضبية التي جعلت كالسيف للمحارب فمن قوى على خصمه استعان بها في حربة. و لما كانت حكمة الباري تعالى واحدة لا اختلاف فيها شابهت بعضها بعضا و لذلك يوجد في الانسان من الحكم و النظر مثل ما في العالم بأسره، و لهذه العلة قالت القدماء ان الانسان هو العالم الأصغر[١] و لذلك يجد العاقل من الناس من قدرة الباري تعالى و لطفه بخلقه وجوده عليهم ما لا يجده الجاهل، فيكون العاقل بذلك في نور دائم و لذة لا تنقطع و نعمة لا تفارقه من فردوس الحكمة التي هو دائما لها في سره و الجاهل في ظلمات و شقاء. فالعاقل لذلك يعلم ان الملك في ملكه و الرئيس في رئاسته و العالم في علمه لم يميزهم الباري تعالى من سائر خلقه الا بقوة و سعادة من عنده، خصّهم بها لنفع الرعية[٢] و صلاح الكل كما ميّز العقل من الطبع، و لذلك وجب عليهم ان يقومون للعالم بما نصبوا له فكما ان العقل يجتهد في تقويم الطبع كذلك على الملك ان يجهد نفسه في صلاح رعيته. و كما ان العقل اذا خالفه الطبع يستعين على مقاومته بالقوة الغضبية كذلك ينبغي للملك ان يستعين بهذه القوة بعينها عند الخلاف عليه اذا كان سالكا في تدابيره طرق العدل. و كما ان المحارب لا يصلح له تجريده سيفه عند الخوف من العدو و كذلك الملك لا يصلح له استعمال الغضب الا عند خوفه على فساد ملكه، لان له قوى نافذة يمكنه بها تدابيره بغير غضب فأذن أعظم ما أحتيج الى الملك فيه هو حفظ ملكه و استجلاب المنافع له و لرعيته، و لا يتم ذلك للملك او يكون متيقظا مستضيء بنور العقل
[١] ( ١٥٣ ب) هذا هو قول افلاطون و ارسطو في كلامهما عن الكواكب و عوالمها.
[٢] وردت في الاصل( الرية) و الصحيح ما اثبتناه.