أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٣٦ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
الطبيعيين و الأطباء، فان جالينوس قد شرح ذلك و كشفه في كتابه في آراء بقراط و فلاطن[١] و في كتابه في الأخلاق[٢] و في مقالته التي بين فيها ان قوى النفس تابعة لمزاج البدن، و قال:
إن القوة الاولى من قوى النفس هي القوة النفسانية و هي التي تتم أفعالها بالدماغ، و القوة الثانية هي القوة الحيوانية و أفعالها تتم بالقلب، و القوة الثالثة هي القوة الشهوانية و أفعالها تتم بالكبد. ثم تعلم باعتدال هذه القوى في الانسان تكون اخلاقه فاضلة ممدوحة و نفسه طاهرة زكية، و بخروج هذه القوى عن الاعتدال تصير أخلاقه مذمومة و نفسه رذلة، فاعتدال القوة النفسانية يكسب الانسان اللّب، و العقل وجودة التحصيل و التمييز و صحة الفكر، و اعتدال القوة الحيوانية يكسبه الهدوء و الرزانة و قلة الحرد و الغيظ، و اعتدال القوة الشهوانية يكسبه العفة و ضبطه لنفسه عن اتباع الشهوات و اللّذات. و بعد علمك بما ذكرناه يجب ان تروض نفسك و تعوّدها هذه الخصال الثلاث، اعني العقل و الرزانة و العفة لتصير فاضلا أديبا و تنقي نفسك و تصلح لاقتناء العلوم، و اجتهد في الحذر من الوقوع في أمراض هذه القوى فأن خروج القوة النفسانية عن اعتدالها هو مرض لها يوجب سوء التحصيل و الجهل. و خروج القوة الحيوانية على اعتدالها هو مرض لها يوجب سرعة الغضب و الجزع.
و خروج القوة الشهوانية عن اعتدالها هو مرض لها يوجب ألّا يضبط الانسان نفسه او الا تقوى له شهوة، و اجتنب هذه الحالات الست فانها أمراض للنفس يوجب لها الفجور و الخبث و الدناءة. و تعمد العدل فان فضيلته به تنزل النفس كل شيء منزلته و استوص بوصية ارسطوطاليس للاسكندر، فانه قال: لا تمل الى الغضب فانه من أخلاق السباع و الصبيان، لا تفرط في الجزع على ما فاتك فان ذلك من خواص النساء الضعفاء، و لا تمل الى النكاح فانه من خواص الخنازير و هي أقوى عليه منك و هو يهلك العمر. أصلح نفسك لنفسك فيكون الناس تبعا لك و تمسك بالحرية فانها فضيلة للنفس بها تكون السماحة في البذل لاقتناء الحسنات و كن شريف الهمة فأن من شرفت همته نال الخير و الكرامة، و من دنت همّته ناله الشر و الهوان.
[١] كتاب آراء بقراط و افلاطون- من مؤلفات جالينوس بعشر مقالات و هو في التوفيق بين الطب و الفلسفة، و قد ترجم حنين هذا الكتاب الى اللغة العربية( ابن أبي اصيبعة ص ٢٧٢).
[٢] كتاب في الاخلاق- و هو لجالينوس باربع مقالات( المصدر المتقدم و الصحفة).