أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٩٧ - القول في طبيعة البدن
و تدعو الضرورة للطبيب خاصة و لساير من قصد صلاح جسمه اليه اذ كان قصدنا من تأديب الطبيب انما كان لصلاح نفسه و تقويم أخلاقه اولا و قدمنا ذلك على مصالح جسمه لتقدم النفس بالشرف على البدن جعلنا لذلك بابا مفردا هو الباب الأول الذي قبل هذا ثم لما قصدنا في هذا الباب الثاني ذكر مصالح البدن لانه الجزء الثاني من شخص الانسان و قلنا فيما تقدم من هذا الباب انه لا يسع الطبيب الجهل بمعرفة اعضاء البدن و بمراتبها اذ كان منها شريف مخدوم و منها خادم ايضا و منها ما خلقت آلات و خدما للنفس الناطقة و منها ما خلقت مع ذلك آلات و خدما للطبيعة و قلنا انها مختلفة الأمزجة و الهيآت و ان من قصد حفظها و علاج مرض ان عرض لواحد منها فهو محتاج الى معرفة جميع الحالات فان الطبيب أحوج الناس الى ذلك ليصلح حال جسمه هو اولا ثم حالات أجسام الناس كما انه ينبغي ان يؤدب نفسه اولا قبل التعرض لما ذكرناه من هذه الصناعة الشريفة فلذلك دعتنا الضرورة ان نرى لتدابير الأعضاء قانونا يقدر ذو الفطنة اللطيفة و القريحة الصافية ان يستعمله في جملة البدن و في عضو عضو من اعضائه و لم يكن لنا بد في ذلك من اتخاذ مثال الطريق الذي يجب ان نسلكه في ذلك القانون فاتخذنا من جملة الاعضاء الدماغ مثالا و ذكرنا من الطرق الواجب ذكرها و من الأمور الطبيعية التي هي ضرورية في بقاء الشخص و كيف ينبغي ان نختار منها الأصلح غير إنا قصدنا بذلك تنبيه الطبيب على ما لا بد له من عمله، و اذا كان ذلك قد تم فقد ينبغي لك ايها المحب لهذه الصناعة ان تنقل ما ذكرناه في الدماغ الى باقي الأعضاء الشريفة اعني القلب و الكبد و الى بقية الأعضاء النافعة في البقاء و هي آلات النفس و آلات الغذاء كالمعدة و الكبد و بالجملة الى عضو عضو من ساير اعضاء الجسم ما كبر و ما صغر من الاعضاء الآلية و الى ساير الاعضاء[١] المتشابهة الأجزاء لتختار لكل عضو من اعضاء الجسم ما اصلحه من تلك الأمور الطبيعية أعني حالات الهواء و الحركة و السكون و المأكول و المشروب و الاستفراغ و الاحتقان و النوم و اليقظة و الأعراض النفسانية و البلدان و الأعمال و العادات و قوة الجسم و السن و السحنة و طبيعة البدن. فتختار من كل واحد من هذه لجملة البدن و لعضو عضو من اعضائه ما يوافقه بالكمية و الكيفية و الزمان و المكان على النحو الذي قدمنا ذكره في باب باب لكل واحد مفرد على تقصي فروع كل أصل من هذه الأصول. فان كان انسان من الناس الى ذلك محتاج و هو يستعمله في حال صحته و في حال
[١] وردت في الاصل( اعضاء) و الصحيح ما اثبتناه.