أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٨ - القول في الدماغ و مصالحه
القول في الدماغ و مصالحه
ابدأ بالعناية باصلاح الأمور الحافظة للدماغ، اولا لأنه مقدم في الشرف و الافعال الحيوانية و الانسانية. أما فعله النافع العام لسائر الحيوان فهو الحس و حركة الانتقال و لو لا ما يثبت من الدماغ من الأعصاب التي ترد فيها القوى الحساسة و المحركة الى الحواس و الأعضاء المتحركة لما أحس الحيوان و لا انتقل من موضع الى موضع. و أما فعل الدماغ النافع للانسان خاصة مع تلك الأفعال فهو أن به يتم له التمييز[١] و الحفظ و الذكر و التخيل و ليس هذه الأفعال تامة كاملة إلا للانسان الذي هو النوع التام الكامل الذي خصّه اللّه تبارك و تعالى بأعدل الأمزجة باضافته الى سائر انواع الحيوان فلذلك قيل أن مزاج دماغه أعدل من سائر أدمغة الحيوانات، و لذلك ايضا قيل أنه صار محلا لقوى النفس الناطقة الألهية الشريفة التي خصّ بها نوع الانسان فصار نوعا شريفا يعلم بها العلوم و يستخرج بها دقيق المهن و محاسن الصنايع. و إذا كان هذا العضو هذه أصول منافعه و جمل أفعاله فواجب على كل عاقل ان يعنى بحفظه لأنه للجسم و لسائر اعضائه بمنزلة ما الملك عليه من التدبير و الاهتمام بمصالح سائر من في ملكه و مدينته فكما الملك أن أغفل تمييزه و قل اهتمامه بأمر خواصه و عوامه فسد حالهم و حاله، كذلك الدماغ إن تغير مزاجه أو ساءت حاله[٢] و فسد تميزه بمرض من الأمراض اضطرب سائر الجسم و فسدت حالاته. و لا يقدر على حفظ الدماغ إلا من عرف مزاجه و طبعه و كذلك يجري الأمر من أمر حفظ سائر الأعضاء فعليك أيها الطبيب ان تعنى بمعلم مزاج الانسان و تميزه من أمزجة سائر الممتزجات ثم تعنى ايضا بتصرف الأمزجة الخاصة بشخص شخص و كم أصنافها و خواصها و علاماتها ثم تعرف ما يختص به عضو عضو من أعضاء البدن من تلك الأصناف ليمكنك ان تصيب في حفظها على حال صحتها و تكتسب لها الصحة عند مرضها و أعلم اولا من أمر سائر أدمغة الحيوان أنها خلقت مائلة الى البرد و الرطوبة و ذلك باضافة مزاج دماغ الحيوان الى باقي اعضائه، أي حيوان كان. فلذلك قيل ان مزاج دماغ الانسان بارد رطب.
[١] وردت في الاصل( التميز) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( سات) و الصحيح ما اثبتناه.