أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١١٧ - الباب الخامس فيآداب عواد المريض
و لا يدخل اليه الا بثوب نقي و رائحة طيبة لتقوى بذلك نفسه و تحركه و تسوقه الى التشبه به و لا ينبغي لاهل الصنائع الرديئة ان يعودوا المرضى لئلا يضروهم بروائحهم و يفسدوا عليهم الهواء كبائع الكبريت و القطران و دبّاغ و قصّاب و غيرهما و لا ممن تعلق بهم الروائح الرديّة فالأنفع للمريض الا يعوده هؤلاء و امثالهم و قال جالينوس في تفسيره لقول بقراط و ابيديميا و ما ينظر اليه يعني ما ينظر اليه المرضى انه ينبغي ان يطيل اللّبث عند المريض من عوّاده أصدقهم اليه و اقربهم الى قلبه فأما غيرهم فالتدبير فيهم أحد أمرين اما ان لا يدخلوا اليه أصلا او ان لا يراهم طويلا و ينبغي للطبيب اذا دخل الى المريض من يستثقله ان يلبث قليلا ثم يقول انه ينبغي للمريض ان يهدأ ليقوم من عنده فان ذلك يحدث في فكره لذّة و في حين بصره قد يلتذ برؤية اشياء دون اشياء من الوان و أشكال و زهر و نبات و أصناف النبات و الصناعات و الصور ما لا يلتذ رؤيته او يكرهها غيره فقد ينبغي للطبيب ان يسأل أهل بيت المريض عن الاشياء التي كان يلتذها فيأمر بادخالها عليه الى البيت الذي فيه المريض و لا يخبره بما يغمه من خبر تجارة خسرت له فيها سبب و لا يذكر بحضرته ذكر ميّت و لا خبر ردئ لمريض آخر و لا ينبغي للعايد ان يستخبر عن مرضه استخبار متقص[١] فان ذلك لا ينفع المريض من العايد الا ان يكون طبيبا و لا ينبغي له ايضا ان يشير عليه بدواء و لا بغذاء قد كان نفعه او سمع بانه نافع فان ذلك ربما حمل المريض بجهله او لشدة ما به ان يستعمله فيضر به و يفسد على الطبيب عمله و ربما كان ذلك سببا لهلاك المريض. و لا ينبغي للعايد ان يعارض الطبيب بحضرة المريض متى لم يكن من اهل العلم فيوقع له الشك فيما وصفه الطبيب كالذي رأيته من بعض المشايخ و ذوي النبل عند نفوسهم و قد حضر عند مريض كنت أدبره فبدأ يسأل المريض عن حالاته و حال دوائه و غذائه في امس يومه الذي كنا فيه ثم حضرت قارورته فتكلم و انا في جميع ذلك ساكن ليحس بسوء أدبه فما انتبه لذلك بل وصف دواء فلما فرغ من صفته قمت منصرفا فقال لي المريض تقوم و ما وصفت لي شيء و لا سمعت منك يومي هذا كلمة قلت صدقت و كذا يجب، قال و لم، قلت اولا فلأن هذا الشيخ قد ناب عني و ما بقي لي شيء اقوله. و الثانية لانك قد قنعت بذلك و أصغيت اليه فلا وجه لكلامي. أما الشيخ فانه خجل و ما عاد الى مثل ذلك، و كذلك المريض اعتذر فتأدبا جميعا بذلك. و جميع من كان بالحضرة و من سمع ايضا و انما أحضرت ذلك هاهنا ليتشبه به و يتأدب من لم يكن يعلم ذلك فلنكتف بما ذكرنا في هذا الباب.
[١] ( ٢٩٥ ب) وردت في الاصل( متقصي) و الصحيح ما اثبتناه.