أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٧٧ - الباب السادسعشر في امتحان الأطباء
يوثق به في علاج المرضى و لذلك قال بقراط ان الطبيب اذا تقدم فعلم و سبق فأخبر المرضى بالشيء الحاضر مما بهم، و ما مضى و غيره عن المريض كلما تصير عن صفته وثق منه بخبره و بصيرته في امر المرض و دعى ذلك المرضى الى سكون انفسهم الى الاستسلام في يديه، و كان علاجه لهم على أفضل الوجوه اذ كان يتقدم فيعلم من العلل الحاضرة و ما سيكون من امرهم[١]. قال جالينوس و ليس يشك أحد أن الذي يعلم امور المرضى على ما ينبغي هو اولى الناس بأن يثق به المرضى و ليس بأمورهم فقط لكن لانه مع ذلك ايضا حري ان يستعد للشيء المزمع بأن يحدث بهم قبل وقت حدوثه بزمان طويل. و كما ان الحاذق بتدبير السفن في البحر عندنا ليس الذي يجهد نفسه في تدبير السفينة اذا عرض للبحر اضطراب و ذلك انه لا يؤمن عليه ان تغلبه شدة قوة الرياح و حركة البحر، يكون حاذقا عندنا القادر على ان يعلم كون تلك الحركة قبل وقت حدوثها بمدة طويلة بالمحايل الدالة عليه، فان وجد مرسى قريب بادر فارسى اليه، و ان منعه من ذلك عظم اللجة احتال بكل حيلة لا جرار سفينته و حياطتها من الآفات و هو في مهلة قبل ان يقع الهول و الاضطراب. كذلك افضل الأطباء من علم ما سيحدث بالمريض فاستعد له قبل ذلك بمدة طويلة و تأهب و هيأ ما يحتاج اليه لشيء شيء مما يحدث. فقد أتضح مما قاله جالينوس و مما قاله بقراط انه لا يتم للطبيب التقدم بالانذار الا من بعد علمه بطبيعة المرض و لا يتم له ذلك الا بعلم كم اجناس الأمراض و انواع كل جنس و فصوله و علاماته و اسبابه، و لا يتم له احكام علم ذلك او يعلم ما الامور الطبيعية و كم هي و يقسمها بفصولها و يخصها بخواصها لان بعلم هذه الامور الطبيعية يعلم الامور الخارجة عن الطبيعة اذا علم الضدين معا من المضاف، فلذلك من جهل احدهما جهل الآخر و بغير شك ان المرض ضد الصحة، و الصحة طبيعية[٢] و كذلك اسبابها و علاماتها فالمرض و أسبابه و علاماته اذن[٣] غير طبيعية و ليس عمل الطبائعي خاصة غير حفظ الصحة اذا وجدها لبدن الانسان، و التماسها اذا وجد المرض قد نفاها و أعدمها، و لذلك قال جالينوس ان قصد الطب التماس الصحة و غايته احرازها، و اذا كان الأمر على
[١] ( ١٢٩ ب) يقصد المؤلف بذلك تقدمة المعرفة. و التكهن بما ستؤل اليه حالة المريض. و اول من كتب في هذا الموضوع هو ابقراط. و كتابه بثلاث مقالات( ابن اصيبعة ص ٢٥٤ و فسّر جالينوس هذا الكتاب باسم مقدمة الانذار لجالينوس، و ترجم فريق حنين بن اسحاق الكتاب الاصل الى العربية( ابن ابي اصبيعه ص ٢٧٢).
[٢] يقصد بذلك ان الصحة هي الحالة الطبيعية. و ان المرض حالة طارئة غير طبيعية.
[٣] في الأصل( إذا) و الصحيح ما اثبتناه