أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٦١ - القول فيحاسة الشم و الاشياء الموافقة لها
الهواء و دائما ينفذ فيها الهواء و يخرج منها ما ينقيه الدماغ من البخار بنفخه و حركته الدائمة مع ما[١] يبعثه من الروح النفسانية الى الحواس و الى غيرها من الاعضاء عنه، فالهواء قد يصل اليه مفرد بغير روائح و قد يصل مع الروائح و ليس هذا اللطف العجيب من آلة الشم فقط لكنه موجود في آلة السمع أيضا فان آلة السمع لما احتيج ان تجعل داخل الرأس لتقرب من الدماغ و جعلت الاذن لها حاجب و ساتر و كان الهواء يريد ان ينفذ من داخلها و لم يؤمن ان يصل معه غير الصوت من أجسام صغار و غيرها، جعل داخل الآذن معوجا و مستديرا كاللولب ليصل الهواء و الصوت و لا صغار الأجسام، فتأمل لطف الباري تعالى بالحيوان و حكمته و اتقان صنعته و ليس ذلك من الحيوان فقط لكن في كل مصنوع. و من لطفه تبارك و تعالى أن جعل للحيوان من الات الحس زوجا زوجا كالعينين (ثنتين) و الأذنين و المنخرين و اللسان مقسوما قسمين ليكون إن دخلت آفة على أحدهما بقت الأخرى للفعل. و اذا كنت قد وصفت جملا من خلقة المنخرين و آلة الشم و غيرها من الحواس و لوّحت لك من منافعها تلويحا لتشتاق بذلك الى معرفة بنية جسمك و منافع إعضائك فلا تقتصر على ما ذكرته هاهنا فقط بل أقصد كتب المعلم الفاضل جالينوس في التشريح[٢] و كتابه الذي وضعه في منافع الأعضاء فانك تحظى من هنالك بعلم ذلك بأسره فأرجع بنا الى القول في آلة الشم و أعلم ان الواسطة في اشتمام الروايح هو الهواء فلذلك يجب ان تعدله و تحتاط من صلاحه للسبب الأعظم الذي هو الحياة و البقاء فانه من المنخرين يصل الى الدماغ و الى الرئة فيروّح عنها و يمدها بالصافي النقي منه و السبب الثاني ان به تصل الروائح الى البطينين المقدمين من الدماغ الذي بهما يكون الشم. و الوجه الأخير ان من فساد الهواء قد تقدم لنا القول به عند القول في حاسة البصر و حاسة السمع و مع ذلك فاني اقول ايضا أنك و ان بعدت من القرب من مواضع الروائح الردية فانه ينبغي ان تحتال لموضعك و لهواك المحيط بك في أن تكسبه روائح موفقة طيبة لتصل الى دماغك دائما بالشم ما يصلحه و يصلح الروح النفساني التي فيه و تزكيها كالبخورات و انواع الطيب و لذلك نجد الافاضل يكون ثيابهم و أجسامهم بالبخورات و غيرها من هذه الروائح ليدوم استنشاقهم لها فتعمل لذلك و لا تهمله[٣] فانك قد
[١] وردت في الاصل( معما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] كتاب جالينوس في التشريح ربما يقصد بذلك كتابه( علاج التشريح) او ما عرف باسم( كتاب التشريح الكبير) و هو بخمس عشرة مقالة. و فيه وصف لجميع اجهزة الجسم كما له كتاب آخر باسم التشريح الصغير( ابن ابي اصيبعة ص ١٣٨).
[٣] في الاصل و لا( تعلمه) و الصحيح ما اثبتناه.