أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٩ - القول في الدماغ و مصالحه
و قالوا: أن اللّه تعالى خلق الدماغ من الحيوان باردا رطبا لئلا يفسد بدوام حركاته و بدوام ما يتصاعد اليه من البخار الحار. و إذا كان لمزاج دماغ كل إنسان من الناس من البرودة و الرطوبة مقدارا يخالف سائر مقادير أمزجة الأدمغة فبغير شك أنه يلزم الطبيب أن يعرف مزاج دماغ شخص شخص و كم مقدار ما لذلك الدماغ من البرودة و الرطوبة ليحفظها عليه لأن بحفظ ذلك المزاج تتم أفعال ذلك الدماغ. و قد بين القدماء أن من أفعال الدماغ ما يفعلها بذاته أعني بغير واسطة و هي ثلاثة افعال، احدها: التخيل و هو يتم بجزئه[١] المقدم. و الثاني: التمييز و هو يتم بجزئه الاوسط. و الثالث: الحفظ و هو يتم بجزئه المؤخر. و من افعال الدماغ ما يفعلها بتوسط العصب الثابت منه و هذه الأفعال صنفان، احدها: أفعال الحواس و هي خمسة: حس البصر و حس الشم، و حس السمع و حس الذوق، و حس اللمس .. و الثاني: حركات الاعضاء الانتقالية، و بينوا ايضا ان هذه الأفعال انما تتم للدماغ بشيئين بصحة مزاجه و بصحة هيئته فأختبر أيها الطبيب من كمال هذه الأفعال و المنافع جودة مزاج الدماغ وردائته[٢] و صحة هيئته و فسادها لتقدر على صلاح نفسك أولا ثم صلاح غيرك. و أعلم أن الدماغ قد تتغير أفعاله بحسب أشكاله و اشكاله أبدا تتبع شكل جملة الرأس فتفقد ذلك ليصح لك تعرف أفعاله. و تعرف أيضا حالات الأمزجة التي للدماغ من الشعر النابت على الرأس و في الوجه و من حالات الحواس و من حركات الأعضاء وضح لك أيها الطيب المزاج القريب من الاعتدال ايضا و ميزانا تزن[٣] به و تقيس عليه ما خرج عن الاعتدال من الأمزجة، و ما بعد عنها و كذلك فافعل في تعرف مزاج عضو عضو و مثال ذلك الرأس فان الشكل له القريب من الاعتدال هو أن يكون مستديرا كأنه قد غمر من جنبيه فظهر له نتؤمن مقدمه ونتؤمن مؤخره، و أن يكون معتدلا في الكبر و الصغر. و أن يكون الشعر النابت عليه و في الوجه معتدلا[٤] في الخشونة و اللين و التلزز و التفرق و الكثرة و القلة يبدو[٥] في الصغر أصهب ثم يسود و يبطي شيبه. و ان
[١] وردت في الاصل( بجزءه) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( رداءته) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( توزن) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( معتدل) و الصحيح ما اثبتناه.
[٥] وردت في الاصل( يبدوا) و الصحيح ما اثبتناه.