أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٥ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
حارة فان ذلك علاج مرضى لا حفظ صحة. و لأن الصحة هي الطبيعة للبدن لأنه لم يقصد بخلقه إلا ليكون صحيحا و قد ذكرنا معرفة ما الصحة قبل باختصار فيجب ان نجمل القول فيها و نصفها بما حدّها بها قدماء الأطباء فقالوا أن الصحة هي حالة طبيعية للجسم تتم له أفعاله بها. و لما كانت أفعال الجسم كثيرة، لأن عددها مساو لعدد أعضاء الجسم الالية وجب أن يكون كل فعل من أفعال الات الجسم أنما يتم بصحة تلك الآلة كالذوق الذي لا يتم إلا مع صحة الفم و آلاته و كذلك البصر و سائر الأفعال. و أعضاء البدن الآلية أعني التي هي آلات لأفعاله تتم صحتها بثلاثة أشياء أحدها اعتدال مزاج العضو، و الثاني اعتدال هيئته، و الثالث اعتدال اتصاله. و يجب أن يعلم ايضا ان اسم المزاج يضم ثلاثة معان[١]، احدها: اعتدال يتساوى فيه الأسطقسات في البدن فيكون فيه من الحار مثل ما فيه من البارد، و يكون فيه من الرطب مثل ما فيه من اليابس و هذا مزاج لا يمكن وجوده حسا بل وهما لأن الجسم لا يمكن ان يبقى طرفة عين بحالة واحدة لكن تغيره و استحالته دائمة. و الصنف الثاني من الاعتدال هو ما قرب من هذا الأول و داناه و هو ايضا قليل الوجود، فأما الصنف الثالث: و هو الكثير الوجود فهو الذي بالحقيقة مال الى أحد الأربعة الأمزجة المركبة، أعني: الحرارة مع اليبس، او الى الحرارة مع الرطوبة، أو الى البرودة مع الرطوبة أو الى البرودة مع اليبس، الا أنه مع ذلك صحيح الأفعال لا يدوم منها شيئا فلذلك سمي معتدلا، و لذلك يجب أن يكون حفظ الصحة لكل واحد من هذه الأمزجة لا يتم الا بعد معرفتها بمقادير ما لها من كل كيفيتين من هذه المزاوجات[٢] و بعلامات صنف منها يعلم (ما بها تحفظ)، و بجميع كميات ذلك و كيفياته و أماكنه و أزمنته و غير ذلك مما قد شرحه قدماء الأطباء في كتبهم، فأعلم ذلك، و ينبغي أن يكون حاضرا لذكرك ايضا ان عملك ان كان في شخص من الأشخاص و كانت الأشخاص مختلفة الأمزجة و صحة كل واحد منها يخص مزاجه و لكل مزاج علامات تخصه و تدابير توافقه فيجب لذلك ان يتدرب و يرتاض في معرفة الحدس الصناعي الذي به يصل الى التقدير، و لن يصل الى ذلك إلا باحكام علم القوانين النوعية فان أفنيت علم الأصول و القوانين و تدربت بالحدس فخذ منا الآن في الكلام في الطرق الجزئية التي ينبغي أن يسلكها حافظ الصحة على بدنه. و أول من يجب أن
[١] وردت في الاصل( معاني) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( مزاواجات) و الصحيح ما اثبتناه.