أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٦ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
و عليه واجبة. اذ الطبيب حاكم في النفوس، و الأجسام، و لا يشك أحد في ان النفوس و الابدان أشرف من الأموال، فلذلك ينبغي للطبيب ان يأخذ نفسه بالآداب و العلوم النافعة له في صناعة الطب، و بغير شك ان من لم يحطّ بما يذكره و اطرحه سيخجله ان كان له أدنى حس و أن يكون له مع الحس يسيرا من العقل، فانه سيستحي من اللّه جل ذكره الذي أنعم على الناس بصناعة الطب و منح بها أفاضل يستحقون تعلمها و يخافونه و يرهبونه قبل الإقدام على عملها فضلا عن العمل بها، و سيرى هذا المجترئ على أهلها، أن مزاحمته لهم و دخوله بينهم بغير نصيب منها قبيح جدا، فإن بعثه خجله على تأديب نفسه و إصلاح أخلاقه، ثم قصد أهلها بلطف و أدب و حسن مسائلة[١] فتعلم منهم و خدم بين ايديهم في اعمالها أمكنه حينئذ اجتماع العلم و العمل أن يحفظ صحة الأصحاء، و ان يعالج المرضى و لعل بعض الحيلة ان يظن ان خدمته لطبيب ما مدة من الزمان في ذكائه، و معرفته ببعض الأدوية المفردة و المركبة او الفصد، و ما ماثله من أعمال هذه الصناعة، و أخذه لذلك و يعرفه له من كناش[٢] او أقر باذين[٣] قد كفاه و أغناه عن قراءة كتب صناعة الطب و يعرف أصولها و قوانينها فليس ذلك الإسوء حظ له و لمن يدبره لأن ما علمه مما ذكرناه ان لم يعلم أين يضعه من الجسم و فيمن يجب استعماله و متى و أين من الأماكن، و بأي الحالات و المقادير كان الى ان يمرض الأصحاء و يقتل المرضى أقرب من أن يحفظ الأصحاء و يشفي المرضى.
فعلى جميع الوجوه و الأسباب يجب ان أسارع الى أجابتك فيما سألته و اللّه بكرمه المعين على جميع الخيرات، و بعدما قدمته أقول: أن أول ما يلزم الطبيب اعتقاده صحة الأمانة، و أول الأمانة اعتقاده أن لكل مكوّن مخلوق خالقا مكوّنا واحدا قادرا حكيما فاعلا لجميع المفعولات بقصد، محي مميت ممرض مشفي[٤]. أنعم على الخلائق منذ ابتداء خلقهم
[١] في الاصل مسئلة و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] الكناش، او الكناشة و جمعها كنانيش و هو في الاصل دفترا يسجل فيه الوارد و الصادر، ثم استعمل هذا المصطلح في الطب عنوانا للمؤلفات الموسوعية، و الكلمة سريانية.
[٣] اقرباذين او قراباذين و جمعها اقرباذينات، و هو تعبير يوناني يعني الادوية المركبة او دستور الادوية او تركيب الادوية المفردة. و قد استعملها السريان باسم جرافادين عن اليونانية اگرپياتبون و تقابلها باللاتينية( ماتيرياماديكا).
[٤] وردت في الاصل( مشفا) و الصحيح ما اثبتناه.