أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٩١ - الباب الثامنعشر في التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب و الفرق بين خدعهم و الحيل الطبية
من الاواني الفضية، فهذا القول كاف في التنبيه على خدع هؤلاء بالاقاويل و الافعال. و لو ذهبت الى احصاء ما قاله جالينوس في ذلك لكثر و طال به الباب. و اما خدع صنف آخر من هؤلاء بالاعمال فانها كثيرة ايضا و قصدهم في جملتها ان يعملوا اعمالا تشبه في الظاهر الاعمال الصحيحة من اعمال الطب ليقتنع بها الناس و يشهدون لهم بالخدمة في الصناعة مع ما[١] ينالونه من الكسب.
و اذا تأمل المتأمل باطن تلك الاعمال وجدها مخرقة و حيلة و باطل لا حقيقة له، لا في علاج المرضى و لا في حفظ الاصحاء، بل على اكثر الأمر انما تكون اعمالهم سببا[٢] لمرض الاصحاء و ذلك بما يقدم عليه قوم منهم من شق وكي و غيرهما من البطش باليد لاعضاء لا تحتاج الى ذلك، فيحدثون بالصحيح علة تحتاج لتعالج و تدبر مدة من الزمان ربما آل أمرها الى الهلاك. و كذلك قال عنهم يركّب قوم اصنافا[٣] من الأدوية لعلاج العين و غيرها من علل الجسم تراكيب من اكحال و اقراص و سفوفات يدفعونها الى المرضى ليستريحون بها الفائدة ليست مما يصلح لعللهم لكنها من الظاهر تشبه الادوية المركبة بالحقيقة للعلاج، فكم من عمى من اكحالهم، و كم من هلك من سفوفاتهم و اقراصهم. و لأني لا ارى وصف كيفية اعمالهم و حيلهم لئلا يتعلمها الاشرار فاكون من حيث قصدت النفع اوقعت الضرر و ايضا فأني ارجو ممن له ادنى دين و عقل اذا رآني قد عدلت عن اظهار العيوب و كشف القبائح يغار من قبحها و يزهد في دناياها فيكون ذلك سببا لمصلحته و انتقاله الى التعلم و التأدب، فلذلك تركت كشفها. و لاكون على الوجهين جميعا مشكورا و لكني لرغبتي في ان يكون التحذير ابلغ و الحذر ابلغ، فاني (معما) لأكشف كيفيات الحيل في عملها و استعمالها أرى ان اذكر من اسمائها ما به يلوح المحتالون بها، انني عن علم بها تركتها و يكون مع ذلك مفتاحا و بابا[٤] ينفتح لأهل الفطنة ليدخلوا الى معرفتها منه ان اخبر ذلك و ليكون له بذلك من حيلهم منها أتم حذر، فأقول ان اخلاط البدن الاربعة اذا كثرت و انصبت الى بعض الاعضاء البدن و لم يمكن تلك الاعضاء احالتها بالنضج ليغتذي احالتها أحالة لا تصلح للغذاء فتعفنت و احدثت ضروبا من الاورام و النزل و السلع
[١] وردت في الاصل( معما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( سبب) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( اصناف) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( باب) و الصحيح ما اثبتناه.