التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٢ - التقوى غاية العبادة
وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ[١].
من الواضح أنّ هذه العبادة ليست هي إلّا لاستكمال الإنسان بها، وإلّافإنّه سبحانه
لا نقص فيه ولا حاجة، حتى يستكمل بعبادة أحد وترتفع بها حاجته. وببيان آخر: إنّ العبادة كمال للفعل الذي هو الإنسان، لا كمال للفاعل الذي هو الحقّ سبحانه. قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ[٢].
لكن من جهة أُخرى نجد أنّ القرآن لا يجعل العبادة هي الغاية النهائية لخلق الإنسان، بل يجعلها غاية متوسّطة، ويرتّب عليها غايات أُخرى، من قبيل ما ورد في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[٣]، حيث جُعلت التقوى هي الغاية والهدف من العبادة التي خُلق الإنسان لأجلها، وهذا معناه أنّ التقوى هي الكمال المطلوب للإنسان، والعبادة هي التي تهيّئ الأرضية للوصول إلى هذا الكمال.
قال الرازي في ظل هذه الآية:
«العبادة فعل يحصل به التقوى، لأنّ الاتّقاء هو الاحتراز عن المضارّ، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار، بل يوجب الاحتراز، فكأنّه
[١] -() مريم: ٣٦.
[٢] -() إبراهيم: ٨.
[٣] -() البقرة: ٢١.