التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٦٧ - الفرقان بين الحق والباطل
وإنّ للذكر لأهلًا أخذوه من الدنيا بدلًا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللهفي أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتّى
كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لايسمعون»[١]
. هذه هي الخصوصية الأولى لأهل التقوى في الدنيا، وهناك آيات كثيرة في القرآن نطقت بهذه الحقيقة، يمكن الرجوع إليها في مظانّها.
الفرقان بين الحقّ والباطل
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً[٢]. قالالراغب في المفردات: «فرقت بين الشيئين فصلت بينهما، سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. والفرقان أبلغ من الفرق، لأنّه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل»[٣].
«وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى: الفرقان بين الحق والباطل،
سواء كان ذلك في الاعتقاد (بالتفرقة بين الإيمان والكفر، وكلّ
[١] -() نهج البلاغة، الخطبة: ٢٢٢.
[٢] -() الأنفال: ٢٩.
[٣] -() المفردات في غريب القرآن، الراغب الإصفهاني: مادة« فَرَق».