التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٨٢ - التبعات السلبية للفجور في الدنيا
وقوله فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً أي ضيّقة، وذلك أنّ من نسي ربّه، وانقطع عن ذكره، لم يبق له إلّا أن يتعلّق بالدنيا، ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم بإصلاح معيشته والتوسّع فيها والتمتّع بها، والمعيشة التي أوتيها في الدنيا، لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة، لأنّه كلّما حصل منها واقتفاها، لم ترض نفسه بها ونزعت إلى ما هو أزيد وأوسع من غير أن تقف منها على حدّ، فهو دائماً في ضيق صدر وحنق ممّا وجد، متعلّق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهمّ والغمّ والحزن والقلق والاضطراب، والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ومرض
وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب.
ولو أنّه عرف مقام ربّه، ذاكراً غير ناس، أيقن أنّ له حياة عند ربّه، لا يخالطها موت، ومُلكاً لا يعتريه زوال، وعزّة لا يشوبها ذلّة، وفرحاً وسروراً ورفعة وكرامة لا تقدَّر بقدر ولا تنتهي إلى أمد، وأنّ الدنيا دار مجاز، وما حياتها في الآخرة إلّا متاع وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ[١]، فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قُدِّر له من الدنيا، ووسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك»[٢]، قالتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٣]، حيث نبّهت الآية المباركة أنّ الإنسان لا مفرّ له إلّا بالتوجّه إليه تعالى، لأنّ ذكره هو الذي يريح
[١] -() الرعد: ٢٦.
[٢] -() الميزان في تفسير القرآن، ج ١٤ ص ٢٢٤.
[٣] -() الرعد: ٢٨.