التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٤٢ - بعض الآثار
فإذا وصل العبد إلى هذا المقام، يكون نظره بنور الله «فيرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لايسمعونه، ويعقل ما لا يعقلونه، ويريد ما لا يريدونه، وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها، فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشعور والإرادة، فعنده من الحياة التي هي منشأ الشعور والإرادة، ما ليس عند غيره من الناس، فللمؤمن (المتّقي حقيقة) مرتبة من الحياة ليست عند غيره.
فكما أنّ عموم الناس يشاركون سائر الحيوان في الشعور بواجبات الحياة والحركة الإرادية، ويشاركها الحيوان، لكنّ مع ذلك لا نشكّ أنّ الإنسان نوع أرقى من سائر
الأنواع الحيوانية، وله حياة فوق الحياة التي فيها، لما نرى في الإنسان آثاره العجيبة المترشّحة من أفكاره الكلّية وتعقّلاته المختصّة به، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات، وفي النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الوجود، أنّ لكلّ منها درجة أعلى وحياة هي أرقى من حياة ما قبله.
كذلك الإنسان الذي أُوتي العلم والإيمان واستقرّ في دار الإيقان، واشتغل بربّه، وفرغ واستراح من غيره، وهو يشعر بما ليس في وسع غيره، ويريد ما لا يناله سواه، إنّ له حياة فوق حياة غيره، ونوراً يستمدّ به في شعوره، وإرادة لا توجد إلّا معه وفي ظرف حياته»[١].
[١] -() الميزان، مصدر سابق، ج ٧ ص ٣٣٧.