التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٩٨
فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكنت، وأكلوها بأفضل ما أُكلت، ثمّ انقلبوا عنها بالزاد المبْلغ، والمتجر الرابح، أصابوا لذّة زهد
الدنيا في دنياهم، وتيقّنوا أنّهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم وعدة، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة
»[١].
وقال ٧:
«كان لي فيما مضى أخٌ في الله، وكان يُعظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بذّ القائلين، ونَقَع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مُستضعفاً، فإن جاء الجدّ فهو ليثُ غاب وصلُّ واد، لا يُدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً، وكان لا يلوم أحداً على ما يجدُ العذر من مثله، حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعاً إلّا عند بُرئه، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على السكوت، وكان على ما يسمعُ أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدَهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه.
فعليكم بهذه الخلائق (جمع خُلق) فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير
»[٢].
[١] -() نهج البلاغة، من عهد له( ٧) إلى محمد بن أبي بكر، حين قلّده مصر: رقم ٢٧.
[٢] -() التنظيم الموضوعي لنهج البلاغة، علي أنصاريان، ج ٢ ص ٣٢٢.