التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٦١ - الحياة الطيبة
وهذا العلم والقدرة الحاصلان له بالتقوى، يمهِّدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها، فيقسّمها إلى قسمين: حقّ باق وباطل فان، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا، بزخارفها الغارّة الفتّانة، ويعتزّ بعزّة الله، فلا يستذله الشيطان بوساوسه، ولا النفس بأهوائها وهوساتها، ولا الدنيا بزهرتها، لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها.
ويتعلّق قلبه بربّه الذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته، فلا يريد إلّا وجهه، ولا يحب إلّا قربه، ولا يخاف إلّا سخطه وبُعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة، لا يدبّر أمرها إلّا ربّه الغفور الودود، ولا يواجهها في طول مسيرها إلّا الحسن الجميل، فقد أحسن كلّ شيء خلقه، ولا قبيح إلّا ما
قبّحه الله من معصيته.
فهذه آثار حيوية لا تترتّب إلّا على حياة حقيقية غير مجازية، وقد رتّبها الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصّها بالذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهي حياة حقيقية جديدة، يفيضها الله سبحانه عليهم. وليست هذه الحقيقة الجديدة المختصّة، بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة، وإن كانت غيرها، فإنّما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد، فلا يتعدّد بها الإنسان، كما أنّ الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للأنبياء، لا توجب لهم إلّا ارتفاع الدرجة، دون تعدّد الشخصية»[١].
وهذه هي الروح التي أشارت إليها آية سورة المجادلة حيث قال
[١] -() الميزان في تفسير القرآن، ج ١٢ ص ٣٤١.