التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٩ - «والله ولي المتقين»
يَحْزَنُونَ[١] يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ المُلك لله وحده لا شريك له، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتّى يخاف فوته أو يحزن لفقده.
وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها، والحزن إنّما يطرأ عليها لفقد ما تحبّه أو تحقّق ما تكرهه ممّا
يعود إليها نفعه أو ضرره، ولا يستقيم تحقّق ذلك إلّا فيما يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده، من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك، وأمّا ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلًا، فلا يخاف الإنسان عليه ولا يحزن لفقده.
والذي يرى كلّ شيء ملكاً طِلقاً لله سبحانه، لا يشاركه في ملكه أحد، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء، حتّى يخاف في أمره أو يحزن، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه يقول: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٢] فهؤلاء لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلّا أن يشاء الله، وقد شاء أن يخافوا من ربّهم وأن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم، وهذا كلّه من التسليم لله فافهم ذلك. قال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ
وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً[٣].
[١] -() يونس: ٦٣.
[٢] -() يونس: ٦٣.
[٣] -() الأحزاب: ٣٩.