التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٩٧ - الرابطة الوجودية بين أعمال الإنسان والحوادث الكونية
ربما لهذا قالت الآية: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[١]، حيث أشارت إلى ما تقدّم ب «هذا» مع كونه جمعاً ومؤنثاً، لتبيّن أنّ النظام الحاكم على هذا العالم واحد.
والحاصل «أنّ الله سبحانه هو الذي خلق كلّ شيء فقدّره تقديراً، وهداه إلى ما يسعده، ولم يخلق العالم سدىً، ولا شيئاً من أجزائه ومنها الإنسان لعباً، بل إنّما خلق ما خلق ليتقرّب منه ويرجع إليه، وهيأ له منزل سعادة يندفع إليه بحسب فطرته بإذن الله تعالى، وجعل له سبيلًا ينتهي إلى سعادته، فإذا سلك سبيله الفطري فهو، وإلّا فإذا اختلّ أمر بعض
أجزائه، وخاصة الأجزاء الشريفة، وضعف أثره وانحرف عن مستقيم صراطه، بان أثر فساده في غيره، وانعكس ذلك منه إلى نفسه في الآثار التي يرسلها ذلك الغير إليه، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا الجزء المنحرف، وهي المحنة والبلية التي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر الأسباب.
فإن استقام بنفسه أو بإعانة من غيره، عاد إليه رفاه حاله السابق، ولو استمرّ على انحرافه واعوجاجه، وأدام فساد حاله، دامت له المحنة، حتى إذا طغى وتجاوز حدّه انتهضت عليه سائر الأسباب، وهاجت بقواها التي أودعها الله سبحانه فيها، لحفظ وجوداتها، فحطّمته ودكّته ومحته بغتةً وهو لا يشعر.
[١] -() آل عمران: ١٩١.