التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٥٩ - الدفع والرفع
عمّا نصفه به، دون ما يصفه به أولئك المخلَصون، فليس إلّا أنّ العلم الذي يملكونه غير العلم الموجود عند الآخرين، وإن كان متعلّق العلمين واحداً من وجه (بالحمل الأوّلي). هذا أوّلًا.
وثانياً: إنّ هذا العلم لا يغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية، ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرّد قوّة العلم لا يوجب إلّا قوّة الإرادة؟ كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سمّاً قاتلًا من حينه، فإنّه يمتنع باختياره من شربه قطعاً، ويشهد على ذلك قوله تعالى: وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[١].
تفيد الآية أنّهم : في
إمكانهم أن يشركوا بالله، وإن كان الاجتباء والهدى الإلهي مانعاً عن ذلك. وقوله: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ[٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
فالإنسان المعصوم إنّما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وإرادته، ونسبة الصرْف إلى عصمته تعالى، كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى.
ولا ينافي ذلك أيضاً ما يشير إليه كلامه تعالى، وتصرّح به الأخبار، أنّ
[١] -() الأنعام: ٨٨.
[٢] -() المائدة: ٦٧.