التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٥٨ - الدفع والرفع
فاقتضاء الإحراق موجود في النار، بل لوجود المانع وهو البلل.
وهذه هي أهمّ خصوصية في مسلك التهذيب من خلال الغايات الأخروية، وهذا بخلافه في مسلك الحبّ الإلهي، فإنّه يقوم على أساس اقتلاع أصل وجود المقتضي في الإنسان السالك لتوجّه القلب وتعلّقه بغيره تعالى، لا أن يزاحم المقتضي الموجود بالمانع المخوّف أو المرغّب.
وهذا المعنى إنّما يحصل من خلال العلم والمعرفة بالله تعالى، لذا قلنا في بحث
سابق: إنّ أهل هذا الطريق يعلمون من ربّهم ما لا يعلمه غيرهم «وإنّ هذا العلم يخالف سائر العلوم في أنّ أثره العملي، وهو صرف الإنسان عمّا لا ينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلّف دائماً، بخلاف سائر العلوم، فإنّ الصرْف فيها أكثري غير دائم، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ[١]. وقال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم[٢]، وقال: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[٣].
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ[٤]، وذلك أنّ هؤلاء المخلَصين من الأنبياء والأئمّة : قد بيّنوا لنا جمل المعارف المتعلّقة بأسمائه وصفاته من طريق السمع، وقد حصّلنا
العلم بها من طريق البرهان أيضاً، والآية مع ذلك تنزّهه
[١] -() النمل: ١٤.
[٢] -() الجاثية: ٢٣.
[٣] -() الجاثية: ١٧.
[٤] -() الصافات: ١٦٠ ١٥٩.