التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٧٥ - أنفعية المعرفة الأنفسية
جهل، وأنّه تعالى هو الخالق لكلّ شيء، والمالك لكلّ شيء، والربّ القائم على كلّ نفس ما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم، بل لينعم عليهم بما استحقوه، ثمّ يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
هذه وأمثالها معارف حقّة إذا تناولها الإنسان وأتقنها، مُثلت له حقيقة حياته، وأنّها حياة مؤبّدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، وليست بتلك المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية. وهذا موقف علمي يهدي الإنسان إلى تكاليف ووظائف
بالنسبة إلى ربّه، وبالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وهي التي نسمّيها بالدين.
غير أنّ النظر إلى آيات الأنفس أنفع، فإنّه لا يخلو من العثور على ذات النفس وقواها وأدواتها الروحية والبدنية وما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها، والملكات الفاضلة أو الرذيلة، والأحوال الحسنة أو السيّئة التي تقارنها.
واشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور والإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر، وسعادة أو شقاوة، لا ينفك من أن يعرّفه الداء والدواء من موقف قريب، فيشتغل بإصلاح الفاسد منها، والالتزام بصحيحها، بخلاف النظر في الآيات الآفاقية، فإنّه وإن دعا إلى إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الأخلاق ورذائلها، وتحليتها بالفضائل الروحية، لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد، وهو ظاهر.