التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٦٨ - الفرق بين الزاهد والعابد والعارف
محيطة غير متناهية، والخلقيات محاط بها متناهية، وإلى هذا أشير في قوله عزّ من قائل: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ... فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله، وفي هذه سلوك في الله، وينتهي السلوكان بالفناء في التوحيد.
واعلم أنّ العبارة عن هذه الدرجات غير ممكنة، لأنّ العبارة موضوعة للمعاني التي يتصوّرها أهل اللغات، ثمّ يحفظونها ثمّ يتذكّرونها ثمّ يتفاهمون بها تعليماً وتعلّماً. أمّا التي لا يصل إليها إلّا غائب عن ذاته فضلًا عن قوى بدنه، فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلًا عن أن يعبّر عنها بعبارة،
وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالأوهام، والموهومات لا تدرك بالخيالات، والمتخيّلات لا تدرك بالحواس، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن يدرك بعلم اليقين، فالواجب على من يريد ذلك أنّ يجتهد في الوصول إليه بالعيان، دون أن يطلبه بالبرهان.
فهذا بيان ما ذكره الشيخ، واستثنى الخيال في قوله: (ولا يكشف عنها المقال غير الخيال) لما سيبيّن في النمط العاشر، وهو أنّ العارفين إذا اشتغلت ذواتهم بمشاهدة عالم القدس فقد يتراءى في خيالاتهم أمور تحاكي ما يشاهدونه محاكاة بعيدة جدّاً»[١].
وهذا هو معنى قول العرفاء: «إنّ المكاشفة طور وراء طور العقل»[٢].
[١] -() المصدر السابق، ج ٣ ص ٣٩٠.
[٢] -() شرح القيصري على فصوص الحكم، الفص الإبراهيمي، ص ١٧٩، الفصل العزيري، ص ٣٠٤ الطبعة الحجرية.