التقوى فى القرآن دراسة فى الاثار الاجتماعية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٩٩
وقال ٧ عند تلاوته:
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ[١]:
«إنّ الله جعل الذكر جِلاءً للقلوب، تسمعُ به بعد الوقْرة، وتُبصر به بعد العَشْوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برِح لله عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمات الفترات، عبادٌ ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصحبوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة، يذكّرون بأيّام الله، ويخوّفون مقامه، بمنزلة الأدلّة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالًا ذمّوا إليه الطريق، وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلّة تلك الشبهات.
وإنّ للذكر لأهلًا أخذوه من الدنيا بَدَلًا، فلم تشغلهم تجارةٌ ولا بيعٌ عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهْون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما أطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.
فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد
[١] -() النور: ٣٧.