شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦٥ - الخطبة الإحدى و الثلاثين ألقاها في بيان حقيقة الزهد،و تصنيف الناس
الأزمنة و يثبتون تقصيرا عمّا تقدّمه و ليس يوفون الزمان الماضى و المقيم حقّيهما من التأمّل.و ذلك أنّهم يقيسون الأحداث في الزمان المقيم إلى من تناهت سنّه و تجاريبه في الزمان الماضى،و ينظرون إلى قصور المروّات في الزمان المقيم و اتّساعها في الماضى من غير أن ينظروا إلى الأغراض في الزمانين و ما يوجبه كلّ واحد منهما.و إذا تتّبع هذا بعدل و استقصى تصريف الزمانين من القوى و الجدات،و الأمن و الخوف،و الأسباب و الأحوال كانا متقاربين.إذا عرفت هذا فتقول:
[قوله عليه السّلام إنّا قد أصبحنا.إلى قوله:حتّى تحلّ بنا ]
قوله عليه السّلام إنّا قد أصبحنا. إلى قوله: حتّى تحلّ بنا.
ذمّ للزمان بوصفى الجور و الشدّة لمّا أعدله ممّا عدّد فيه من الأوصاف المعدودة شرّا بالقياس إلى نظام العالم و بقائه.و ذكر من تلك الأوصاف خمسة:
أوّلها:أنّه يعدّ فيه المحسن مسيئا .و ذلك من حساب المسيئين الكسالى عن القيام بطاعة اللّه فيعدّون إنفاق المحسن لما له رياء و سمعة أو خوفا أو رغبه في مجازاة،و كذلك ساير فضايله رذايل.كلّ ذلك طعنا في فضيلته و حسدا أن ينال رتبة أعلى.فيلحقونه بدرجاتهم في الإساءه.
و ثانيها:أنّه يزداد الظالم فيه عتوّا .و ذلك أنّ منشأ الظلم هو النفس الأمّارة بالسوء و هي في زمان العدل تكون مقهورة دائما أو في أكثر الأحوال.و ثورانها في ذلك الوقت طالبة للظلم يكون فلتة و انتهاز فرصة.فالظالم في زمان العدل إن ظلم أو تجاوز حدّه فكالسارق الّذي لا يأمن في كلّ لحظة أن يقع به المكروه فكذلك الظالم في زمن العدل مقموع بحرسة الشريعة مرصود بعيون طلايعها.أمّا في زمان ضعف الشريعة فالظالم فيه كالناهب معط لقوّته سؤلها،غير ملتفت إلى وازع الدين فلا جرم كان عتوّه فيه أزيد.و قد كان في زمانه بالنسبة إلى عهد الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم كذلك.
و ثالثها :أنّه لا ينتفع أهله فيه بما علموا.و هو توبيخ للمقصّرين في أعمال الآخرة على وفق ما علموا من الشريعة ممّا ينبغي أن يعمل لها إذ الانتفاع بالعلم إنّما يكون إذا وافقه العمل،و إليه الإشارة بقوله عليه السّلام في موضع آخر :العلم مقرون بالعمل،و العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلاّ ارتحل .فإنّ المراد بارتحال العلم