شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٩ - الخطبة الثامنة و العشرين ألقاها حين بلغه غارة ضحاك بن قيس بعد قصّة الحكمين
فلا شكّ أنّه عبارة من حركات و سكنات تستلزم هيئات مخصوصة إنّما تحصل بواسطة هذا البدن و كلّ ذلك من الدنيا في الدنيا،و أمّا العلم فلأنّ الاستكمال به إنّما يحصل بواسطة هذا البدن أيضا إمّا بواسطة الحواسّ الظاهرة و الباطنة،أو بتفطّن النفس لمشاركات بين المحسوسات و مباينات بينها و ظاهر أنّ ذلك من الدنيا في الدنيا و أشار بقوله: ما تحرزون أنفسكم به غدا .أنّ كلّ زاد عدّ به الإنسان نفسه للوصول إلى جوا اللّه فقد تدرع به من غدا به و حفظ به نفسه «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ» .و قد اشتمل هذا الفصل على استدراجات لطيفة لانفعالات عن أوامر للّه و زواجره،و إذا تأمّلت اسلوب كلامه عليه السّلام،و راعيت ما فيه:من فخامة الألفاظ،و جزالة المعاني المطابقة للبراهين العقليّة،و حسن الاستعارات و التشبيهات و مواقعها،و صحّة ترتيب أجزائه.و وضع كلّ مع ما يناسبه.وجدته لا يصدر إلاّ عن علم لدنىّ و فيض ربّانيّ.و أمكنك حينئذ الفرق بين كلامه عليه السّلام و كلام غيره و التمييز بينهما بسهولة.و باللّه العصمة و التوفيق.
٢٨-و من خطبة له عليه السّلام
أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ- الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ- كَلاَمُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلاَبَ- وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ- تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ- فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ- مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ- وَ لاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ- أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ- لاَ يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ- وَ لاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدِّ- أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ- وَ مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ- الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ- وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اللَّهِ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ- وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ-