شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٦٢ - في وصف الملائكة الّذين هم أشرف الموجودات الممكنة بكمال العبوديّة للّه
لكونهما عن توابع هذه الأبدان .
الثلاثون:
و لا تعدو إلى قوله: الشهوات .قد عرفت معنى الغفلة فيما سبق.و البلادة هى طرف التفريط من فضيلة الذكاء و كلاهما من عوارض هذا البدن و بواسطته.و كذلك الشهوات و الملائكة السماويّة بريئة عنها فلم يجز أن يطرأ على قصودهم لما توجّهوا له غفلة و لا بلادة حتّى يكون ذلك سببا لإعراضهم عن التوجّه فيه و لم يجز أن ترمى الشهوات هممهم بسهام خدايعها، استعارة و لفظ الانتضال مستعار لنوادر جواذب الشهوة على النفس الناطقة مع كونها مؤدّية لها و مردية في قرار الجحيم .
الحادى و الثلاثون:
قد اتّخذوا إلى قوله: برغبتهم .أشار بيوم فاقتهم إلى حال حاجتهم في الاستكمال إلى جوده و إن كان ذلك دائما فهو ذخرهم الّذى إليه يرجعون و و كذلك الإشارة بقوله: عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين .إلى حال الحاجة أيضا فإنّه إنّما يكون ذخيرة لهم لرجوعهم إليه فيما يحتاجون و إنّما يتحقّق قصدهم له برغبتهم حال الحاجة إليه .
الثاني و الثلاثون:
لا يقطعون إلى قوله: و مخافته .لمّا كانت غاية عبادته هو الوصول إلى كمال معرفته و كانت درجات المعارف الإلهيّة غير متناهية لم يكن قطعهم لتلك الغاية ممكنا،و لمّا كانوا غرقى في محبّته عالمين بكمال عظمته و أنّ ما يرجونه من تمام جوده أشرف المطالب و أربح المكاسب،و ما يخشى من انقطاع جوده و نزول حرمانه أعظم المهالك و المعاطب لا جرم دام رجاؤهم له و خضوعهم في رقّ الحاجة إليه و الفزع من حرمانه و كان ذلك الرجاء و الخوف هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته الّتى يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها .
الثالث و الثلاثون:
لم تنقطع أسباب الشفقّة عنهم فيتوانى جدّهم .الشفقّة:الاسم من الإشفاق:أى لم ينقطع أسباب خوفهم له و أسبابه حاجتهم إلى القيام في الوجود إلى الاستكمال بجوده فإنّ الحاجة الضروريّة إلى الغير في مطلوب يستلزم الخوف منه في عدم قضائه و يوجب الإقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته.و حاجتهم إليه دائمة فجدّهم في عبادته دائم فالتوانى فيه مفقود .