شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٧٩ - شرح ما أوهب اللّه تعالى لآدم و شرفه به من العقل و استحقاق القرب إليه
«وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهٰارَ» ١ و أكرمه بخلق الشمس و القمر و النجوم كما قال «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ» و قوله «جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» و قال:
«وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسٰابَ» ٢ و أكرمه بخلق الأنعام فجعل منها غذاءه و ملبوسه و راحته و جماله و زينته فقال «وَ الْأَنْعٰامَ خَلَقَهٰا لَكُمْ فِيهٰا دِفْءٌ وَ مَنٰافِعُ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيهٰا جَمٰالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ» إلى قوله «وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ » ٣.
الثاني:روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام في تفسير قوله تعالى «وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ» أنّه قال:بالدعوة إلى الجنّة كما قال «وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلاٰمِ» .
الثالث:أنّه أكرمهم بتخيّر قلوبهم لمعرفته و ألسنتهم لشهادته و أبدانهم لخدمته فشرّفهم بتكليفه و بعثة الأنبياء إليهم من أنفسهم كما قال تعالى «لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ» ٤ثمّ جعل آدم و الأنبياء من ذريّته أكرم عباده لديه فحباهم بالنبوّة و الرسالة كما قال تعالى «إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ» ٥ثمّ فضّل اولى العزم منهم فقال: «فَاصْبِرْ كَمٰا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» ثمّ فضّل بعضهم على بعض و هو الخليل و الكليم و الروح و الحبيب فقال «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» ٦ثمّ فضّل محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم على الكلّ فقال «وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» ٧و جعله غاية طينتهم و خاتمة كمالهم فقال «وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ » ٨.
الفائدة الرابعة
:قوله: و جعله أوّل جبلّته إشارة إلى أنّ آدم أوّل شخص تكوّن في الوجود من نوع الإنسان ،و قوله: و المخاطرة بمنزلته :أى عند اللّه و كونه مستحقّا للقرب منه ،و قوله: موافاة لسابق علمه إشارة إلى أنّ وقوعه في الوجود بقدر عن ضابط القلم
١) ١٥-٣٧.
٢) ١٧-١٣.
٣) ١٦-٨.
٤) ٩-١٢٩.
٥) ٣-٣٠.
٦) ٢-٢٥٤.
٧) ١٢-١٤.
٨) ٣٣-٤٠.