شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤١ - الخطبة السابعة و العشرين يذكر فيها تنبيهات لطيفة على وجوب النفار عن الدنيا و عدم الركون إليها
النار»بل قال «و الغاية النار» ،لأن الغاية ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء و من يسره ذلك،فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا،فهى فى هذا الموضع كالمصير و المآل،قال اللّه تعالى: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّٰارِ» و لا يجوز فى هذا الموضع أن يقال:سبقتكم-بسكون الباء-إلى النار،فتأمل ذلك فباطنه عجيب و غوره بعيد.و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام،و فى بعض النسخ،و قد جاء في رواية أخرى«و السبقة الجنة»-بضم السين-و السبقة عندهم:اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض،و المعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم،و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود.
أقول:هذا الفصل من الخطبة الّتي في أوّلها الحمد للّه غير مقنوط من رحمته.
و سيجيء بعد،و إنّما قدّمه الرضيّ عليها لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب أنّه لا يراعى التتالى و النسق في كلامه عليه السّلام.
[اللغة]
و قوله: قد أدبرت أى ولىّ دبره .و آذنت أى أعلمت .و أشرفت أى أطّلعت ،و المضمار : المدّة الّتي يضمر فيها الخيل للمسابقة أى تعلف حتّى تسمن ثمّ تردّ إلى القوت و المدّة أربعون يوما،و قد يطلق على الموضع الّذي يضمر فيه أيضا .و السباق : مصدر مرادف للمسابقة و هو أيضا جمع سبقة كنظفة و نظاف،أو سبقة كحجلة و حجال،أو سبق كجمل و جمال .و الثلاثة اسم لما يجعل للسابق من مال أو غرض ،و المنيّة : الموت ،و البؤس : شدّة الحاجة ،و تحرزون : تحفظون .
و اعلم انّ هذا الفصل يشتمل على أحد عشر تنبيها :
الأوّل:على وجوب النفار عن الدنيا و عدم الركون إليها.
و ذلك بقوله: استعارة بالكناية ألا و إنّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع .و أشار بإدبار الدنيا و إعلامها بالوداع إلى تقضّى الأحوال الحاضرة بالنسبة إلى كلّ شخص من الناس من صحّة و شباب و جاه و مال و كلّ ما يكون سببا لصلاح حال الإنسان،و أنّ كلّ ذلك في هذا الحياة الدنيا لدنوّها